صفحة 3 من 11 الأولىالأولى 1234567891011 الأخيرةالأخيرة
النتائج 21 إلى 30 من 106
  1. #21
    رفاعي مُتميز الصورة الرمزية محمد فتحي
    تاريخ التسجيل
    Jun 2010
    المشاركات
    1,411
    معدل تقييم المستوى
    11

    افتراضي

    المتشظي

    (من يريد أن يقفز قفزة عظيمة عليه أن يكون مستعدا لأخذ عدّة خطوات للخلف)
    بريخت
    ***

    مسرح الغرفة الزرقاء- بيرث
    اسم المسرحية: المتشظي
    تأليف: سوزان إنجلبريخت
    إخراج : فيفيان جلانس
    ***
    بصالة مسرح الغرفة الزرقاء بـ"بيرث" في موسمها المسرحي الصيفي 2007 تم عرض مسرحية "المتشظي" للكاتبة المسرحية "سوزان إنجلبريخت" ومن إخراج " فيفيان جلانس". تتكون المسرحية من سبع شخصيات هي: المهاجر الكرواتي المهندس إيفان رودفيك، والطبيب النفسي جيم هيل، والممرض شان، موظف الهجرة، رجل بوليس، رجل متخلف، والرجل الظل. تدور أحدات المسرحية في مشفي للامراض النفسية، بين زمانين حاضر وماضي تقوم الاضاءة بوظيفة إيهامية في الانتقال بين الزمانين وتدرجات اليوم بين الليل والنهار وتدعمها الموسيقي في الإسترجاع الزمني وتكثيف الحدث بحمولة موازية تعمق من البعد الدلالي للحظة خاصة عندما يعود المريض "إيفان" بذاكرته لأيام الحرب الكرواتية.

    في ثلاثة عشر مشهداً متواصلة تحكي المسرحية عن المهندس الكرواتي القادم إلي استراليا، ومن اللحظة الأولي في المطار يصتدم بواقع لا يشبه أحلامه عنها التي جاءها بكل فرح وتوق الناجي من اهوال الحرب ممنياً نفسه بفردوس ارض الحرية والاحلام واحترام الانسان والفرص المتساوية، منذ الوهلة الآولي في المطار وموظف إدارة الهجرة الذي يعامله بفظاظة وصرامة روتينة قاتلة وتشكك واستهتار يفضح جهل الموظف با بجديات مهنته كعنوان للبلاده. ثم يدور به الزمن في حياته اليومية بين مكاتب البوليس، ودوائر مكاتب الضمان الاجتماعي ويواجهه إهمال ونظرات دونية تحتقر طريقة نطقه للانجليزية، والاستهتار في نطق اسمه بفتح الألف والذي يعني له الكثير ان ينطق صحيحاً بكثر حرف الالف في ثقافته، وتدور به الدوائر إلي ان ينتهي به المطاف في مشفي للامراض النفسية ويعاون الطبيب "جيم هيل" مساعده الممرض" شان" في اخراجه من تلك الحالة المتمثلة في غائبه الدائم عن هذا الواقع ويتحدث مع شخصية يتوهمها وهي "الرجل الظل"، ويناجي ويسمع اصوات طيور غير مرئية لأحد غيره، وتطارده كوابيس ايام الحرب ويهذي باسم "ماريا" التي لا يعرف المعالجان عنها شئياً، إضافة لعرض عضوي يتمثل في شلل جزئي اصاب يده اليمني. وكتابته المستمرة للرسائل للسكرتير العام للامم المتحدة يشكو له فيها من كثرت الحشرات بغرفته. عبر العديد من الحوارت والمساندة النفسية الدقيقة لفك طلاسم تشابك روحه المعقدة بفعل الماضي والحاضر يجتهد الطبيب والممرض إلي ان يصلا ما قبل فك بعض مغاليق ابواب خروجه إلي العالم ويكسبا ثقته في التعامل معهما باستراجاع الماضي وتفكيك شفراته.

    في حفل عيد ميلاد"إيفان" الذي يبدو في روح معنوية عالية، تخفف قليل من عبء المرض، وبدأت تظهر عليه بعض بوادر العودة لطبيعته، يداعب الطبيب والممرض بطريقة عابثة عندما يمسك بالسكين بعد اغنية الميلاد المعروفة ويضعها قرب عنقها وسط ذهول الطبيب والممرض ثم ينفجر ضاحكا يقول لهما : إني امزح، فلقد كنت من قبل رجلاً مرحاً، ثم يواصل تقطيع كيك عيد الميلاد إلي ثلاثة اجزاء ويلتهم نصيبه مستلذاً يلعق اصابعه بينما يسقط نصيب الدكتور تحت رجله فينفجر "ايفان" ضاحكاً، يذهب الممرض بعد رن جرس يطلبه لمريض آخر، ويواصل ممازحاً الطبيب لقد استمتعت تماماً بنصيبي لقد خسرت اكلاً طيباً، ويجيبه الطبيب عليك ان تشكر "جيري" فيلاحقه بالاسئلة عن "جيري" يسأله عن صديقته التي صنعت له هذا الكيك الشهي، ان يصف له جمالها بينما يحاول الطبيب التهرب منه بشكل واضح، ويحاول ما استطاع ان يجعل الطبيب ان يتحدث عن حبيته، إلي ان يقول يبدو انها سمينة جدا وقبيحة لذلك لا تريد الحديث عنها. بينما تبين انفعالات متضاربة علي وجه الطبيب الذي تحول وجهه إلي احمر حانق، ويجيب منفعلاً: بان "جيري" ليس قبيحاً! ينظر اليه "ايفان" غير مصدق عندما يكتشف بان طبيبه مثلياً ، ويصرخ بهستريا فيه كيف تعاشر رجل!! ثم ينهار. بعد ذلك يحاول ما امكن تجنب الطبيب ولا يستطيع البقاء معه منفرداً بغرفة واحدة، ويرفض تماماً ان يلمسه أو يفحصه أو يقدم له الادوية. ويعود يغرق في توهان بئر ذاته ويتحدث مع "الرجل الظل" – وهو يرمز إلي صوت اللاوعي بداخله يذكره "الرجل الظل" بضعفه وعدم مواجهته لنفسه، وعبر حوارات مع الممرض يتراجع تتدريجياً عن يبدأ يتذكر ماذا فعل الطبيب من اجل طوال المدة التي قضاها في المستشفي، وان مثليته لم تجعله يسي معاملته أو تنتقص من اداوه لعمله.

    في أحدي جلسات المساندة النفسية وثالثهما الرجل الظل غير المرئي إلا له، يستدرجه الطبيب الي مكمن عقدته التي عاني منها طويلاً، ونعرف من خلال حالة التداعي فظاظة وفظاعة ما تعرض له اثناء الحرب الأهلية، وفقده لـ"ماريا" التي يهذي باسمها، ولاسرته، ويسرد كل أهوال الحرب الأهلية وبشاعتها وما حاق ببلده، ويتخلص من عبء كان يحمله، فيبدأ رحلة التعافي خطوة بخطوة إلي مشهد الختام بعد عاد طبيعياً ويده اصبحت طليقة يتلاشي نصف شللها الذي لازمه طوال العرض، يصافح الممرض والطبيب مودعاً ولا ينسي ان يحمل الطبيب تحياته " لجيري". ثم يصعد الطبيب في نفس المكان الذي كان منه "إيفان" يراقب الطيور ويسمع صوتها وعينيه تتنظران إلي ابعد نقطة في الأفق.

    هذه السمفونية الانسانية التي غاصت في كل أوجاع إعادة اندماج اللاجئ الوافد من بلد محافظ اخلاقياً محاصراً بأوجاعه الذاتية من اهوال الحرب وصدمتها النفسية التي تركت شروخها بروحه، ثم الصدمة الثقافية والحضارية في مجتمعه الجديدة ، ثم البداية من الصفر في كل شئ في الحياة، وعدم الاعتراف بأي خبرات اكاديمية أو عملية سابقاً، بحق جعلت مسرحية "المتشظي " هي لسان كل اللاجيئن بأستراليا وخطوة عملية نحو الاقتراب والتفهم لكافة عوالمهم وخصوصيتها، وتتصدي بجساره لأحدي القضايا الاجتماعية الساخنة ، بأن اللاجئين ليست كائنات هامشية بل لهم الحق الانساني البسيط في الاعتراف بهم كبشر فاعلين في دوران الحياة الاسترالية لإثراء تنوعها تعددها الثقافي ليس بقسرهم كي يصبحوا جزءاً من المجتمع الاسترالي بشكل بيروقراطي، بل يجب أولاً التفهم الكامل لخصوصية أوضاعهم النفسية والذهنية والاعتراف بقدراتهم ومؤهلاتهم.

    ابدع هذا العمل المثير في التمثيل: الممثل المعروف "ايجو ساس"، في دور "إيفان" بلكنته الكرواتية وتجسيد كافة ابعاد الشخصية المركبة،"ينجي د. ادرو" في دور الطبيب، ولعب بإقتدار الممثل المتمكن "شاون ماتنديل" بقية الخمس شخصيات وكان ينتقل بينها ببراعة وحرفية عالية، ومن خلفهما تقف المخرجة والممثلة فيفيان جلانس ، والموسيقار "تيم كلايج" مهندسة الضوء "لوسي بيركنشو" لقد انجزوا جميعاً عرضاً مسرحياً مبهراً عميقاً في رؤيته الفلسفية للواقع وعامراً بالمتعة والجمال والافكار.
    كان لي شرف المشاركة في هذه المسرحية كأحد افراد الفريق الإستشاري المساعد في تطوير قدارت الممثلين لفهم طبيعة التشابكات الذهنية والنفسية للمصاب بصدمة من جراء الحرب أو التعذيب.

    * مُسامرة سودانوية، المقال الشهري الذي يكتبه عفيف إسماعيل لجريدة المهاجر السودانية باستراليا.

  2. #22
    رفاعي مُتميز الصورة الرمزية محمد فتحي
    تاريخ التسجيل
    Jun 2010
    المشاركات
    1,411
    معدل تقييم المستوى
    11

    افتراضي

    عازف البيانو الأعمي في ميدان فورست او ظل بلا اثر

    اللاجئون الجدد هم أكثر الغرباء تيه /كائنات حائرة تتوسط الما بين/ يقفون علي حواف البكاء بلا دموع في اعينهم حنين راعف للمستحيل وتوق حارق للخلود/ هل تكفي الابدية لتعويضهم زهر سنواتهم المسروقة وغدهم الغامض؟
    بنصف ذاكرة يعيشون/
    نصف هنا/
    والآخر هناك في بلاد بعيدة/
    دائماً يرتدون ملابساً لا تلائم الطقس/ بشغف من يريد ان يغيير العالم يتابعوا بنهم كل نشرات الأخبار العالمية ثانية بثانية تذبحهم عناوينها الدامية /فلا ينتبهوا لأحوال النشرة الجوية فيبللهم المطر/ فيهيمون في الطرقات مرتجفين مثل طيور يتيمة/يحاصرهم إرتباك شائك وبعض حرج/ يصبوا لعنات خرساء علي السماء الغريبة التي تمطر بلا بروق او سحب داكنة/ويعودون بنصف ذاكرتهم لإجترار لعنات ازمان دائرية اقتلعتهم فجأة من تحت سماء يطمئنون لها ويعرفون كل تحولاتها كاصابعهم المعروقة/
    ذاك المارد الاسمر سليل آلهة النيل العظيم/ حقا انه ابن جدته العرافة وبخورها المعطر وذاكرتها البدائية/ يعرف الأماكن بروائحها/ ويشم تعب الآخرين عندما يعبرون من امامه/عندما تحدثه حبيبة الشقراء عن فاكهة لا يعرفها لا يتخيلها إلا استوئية/ واذا حدثته عن تنورة جميلة اعجبتها لا يتصورها إلا مشجرة مثل روحها التي يتوكأ عليها في بلادها الغريبة/
    ويل للغريب بلا عشق /
    الغريب لا يصادق إلا أرواح غريبة/
    / يري باذنه/
    ويسمع بعينه /
    يتخيل الاشياء بنصف ذاكرة ويسمعها كما يحب لها ان تكون في ابجديته الجديدة التي لا يعرف جيداً رسم حروفها وتتشابهه عليه الأصوات فيها/ عندما لوحت له بيدها اليسري مودعة وقالت له:
    - نلتقي يوم الجمعة الساعة الثالثة مساء في ميدان "فورست" بوسط المدينة/ تخيل الغريب بذاكرته الاستوائية بانه سوف يعانقها في ميدان وارف اكثر من قلب أمه/ لكنه في ضحي الجمعة وجده صحراء موحشة مع بعض التحسينات الخرصانية تنبت من بلاط صخري قديم / وعندما قرأ تلك اللافتة Forrest Place تبخرت من ذاكرتة آخر واحة في امنياته ان يجد بعض أخضرار في ميدان السيد فورست او دوحة لهما/ اصطادته نغمات كانت تتصاعد في ذاك البوار من اصابع عازف بيانو أعمي في حلة سوداء كأنة قادماً للتو من العصر الفكتوري، كان يُنغم
    (The Lonely Shepherd)
    لم ينتبه المتعجلون بخطواتهم الراكضة امامه لتلك الارواح المستوحشة التي تبكي بقلبه ثم تخرج من بين اصابعه وتهيم في الفضاء، لم ينتبه احد منهم ان يرمي قطعة عملة معدنية صغيرة في قبعته السوداء المهترية الممدودة امامه كقدم فيل صغير محروقة/ بل تعالت صراخات مراهقين صاخبين يعبرون تلونت روؤسهم مثل اعراف الديوك وقهقهوا كثيراً وهم يشيرون باصابع فاحشة ويعرون موخراتهم ويضربون عليها بكف واحد ثلاثة مرات امام عينيه اللتان كانتا تحدقان في سواد الكون وتريان صلصالاً يتناسل أقماراً ذهبية/ علي ناصيه ميدان السيد فورست كتمثال روماني قديم كان يقف احد محترفي التمثيل الصامت متلوناً بالفضة من ظفره إلي شعره يدير كلعبة اكترونية وجهه باتجاه من يرمي له قطعة عملة فضية ويبتسم/ وعلي الناصية الأخري حاوي يبتلع سيفاً/ وآخر يتلفع بافعي ذات الوان براقة/ وبائعا لبلونات في هئية حيوانات أليفة يتوسط المكان / عشاق بمرح يتخاصرون ويبتسمون برضا من يملك الأرض والفضاء / في تلك اللحظات عازف البيانو الأعمي كان يعزف أحد مفضلات الغريب /
    (If I Were a Rich Man)
    فينجلي بعض من سخام الصدي بروحه فيري امامه غجريات مزركشات كحلم صبي يعبرن بصخب بلا خيام / حلقة صغيرة حول رسام يعطيك ملامحك بدقة فوتوغرافية في خمس دقائق/ من وشم لاعب كمال الاجسام يطل لسان تنين يكاد ان يلتهم من يقف قرب كتفه/ صبية تعبر نصف عارية كأنها في مسابقة عالمية للفوز بملكة عدد الحلقات المعدنية التي تتدلي با حجام مختلفة من انفها وقرب حاجبها الايسر وفي اذنيها وفي منتصف شفتها العليا وفي لسانها وأخري بحجم كبير علي سُرتها/ عازف كمان كوري يثرب نحيب ملائكة معذبة تريد الانعتاق /بملامح وديعة سرب من الاسويين الضامرين الطيبين يتلفعون بثياب برتقالية اللون يمرون بخطوات هادية كأنهم في صلاة بوذية لا تتنتهي /.
    ينتبه الغريب انها الساعة الخامسة مساء!!!!!
    ونصف ذاكرته نسيت انتظاره لحبيبته الشقراء / وصارت تتفرع مثل لبلاب تطارد مقطوعات "شوبان" السريعة التي جعلت عازف البيانو الأعمي فجأة ملك الميدان ضابطا لإيقاع الخارجون من نهارات العمل الطويل/ مسرعون كالناجون من الطاعون يفون نذورهم بوضع العملات الذهبية في قبعته، قلبه يجادل "شوبان" في سماواته البعيدة واذنه تتحسس برهافة فقيرة هل هذه رنة عملة بقيمة دولار أم دولارين؟! تلك الخشخشة لفئة الخمسة ام العشرة دولار؟ الغريب يتحسس جيبه فتطل من محفظة نقودة الجلدية صورة حبيبته الشقراء فيتذكر بنصف ذاكرته المثقوبة التي حلقت إلي ما فوق قوس قزح بانها لم تات!!!!
    في أول الليل سار الغريب وحيداً مبللاً بالغياب مثل ظل بلا أثر لطيور يتيمة //.

  3. #23
    رفاعي مُتميز الصورة الرمزية محمد فتحي
    تاريخ التسجيل
    Jun 2010
    المشاركات
    1,411
    معدل تقييم المستوى
    11

    افتراضي

    الشاعر المصري حلمي سالم.. وفقهاء الظلام

    مُسامرة سودانوية
    "وأقول لا ..للوجوه المغطاة بالشمع
    وأؤمن أنَّ بعضَ أحزانِنا لا تضيعُ سُدَى"
    سيد أحمد بلال
    في خفة ضحلة صادر قصابو الثقافة ومن خلفهم فقهاء الظلام وحراس النوايا العدد الأخير من مجلة "إبداع" التي تصدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب و يرأس تحريرها الشاعر المصري المعروف أحمد عبدالمعطى حجازي، واوقفوا توزيعها بسبب قصيدة للشاعر حلمى سالم الموسومة بـ "شرفة ليلى مراد" بتهمة الإساءة للذات الإلهية و لكريم المعتقدات، تلك التهمة التي تكرر بلا معيار يسندها سوي فقه الضرورة الذي تستند عليه القوي الظلامية في بلاد المسلمين قاطبة، وفي جمهورية مصر العربية بشكل خاص في مجابهتها للفكر والابداع وحرية الرأي منذ كتاب "في الشعر الجاهلي" لطه حسين ، "واولاد حارتنا" لنجيب محفوظ و"وليمة لأعشاب البحر" لحيدر حيدر وتمدد القائمة الطويلة لتشمل كل من د. نوال السعدوادي، ونصر حامد أبوزيد وأحمد الشهاوي، وويع سعادة .. وآخرون.
    لقد استهدفوا هذه المرة احد انبل ابناء المحروسة وهو الشاعر المصري الكبير حلمي سالم المعروف بإسهامته الشعرية المميزية علي مستوي الوطن العربي والعالم .واحد رواد الحداثة والتجديد في الشعر المصري الحديث بعطاءه الممتد بين الإجيال منذ: "دهاليزي والصيف ذو الوطء" "فقه اللذة" و"سراب التريكو" و"يوجد هنا عميان"" "حمامة على بنت جبيل"،" إلي ديوان " الثناء على الضعف "الذي يتضمن النص الشعري" شرفة ليلي مراد" .

    تطور الأمر بعد ان تقدم الشيخ يوسف البدوي أحد اقطاب الاخوان المسلمين في مصر وبعض المحاميين ببلاغ الى النائب العام ضد الشاعر احمد عبد المعطي حجازي رئيس تحرير مجلة أبدع وضد الشاعر حلمي سالم صاحب النص الشعري" علي شرفة ليلي مراد".
    ما زالت الاصولية وحيدة القرن وخطابها الإقصائي المتمادي في إرهاب الخصوم بسيف الدين الحنيف وباسمه الكريم تتمدد بسرطانية عمياء، وتزحف تحت مسميات متعددة ،عباءات ازهرية حيناً وطالبانية في احيانا أخري، تستند علي نظرة عابرة وغير متقصية لروح النصوص الشعرية تتسم بمحاكمة ظاهرها وغير متعمقة في مجازاتها ورموزها ودلالتها التي تحكمها بنيتها وديناميتها الداخلية. فقط يكتفون بإجتزاءات مخلة يمارسونها بحرفية قصابين يقتطعونها بعيداً عن السياق العام للنصوص الشعرية ، فقط ما يتفق مع جاهزية مزاج الفتوي ذات القالب التكفيري، التي تثبت الحدود السقفية للذهنية الأصولية وشكلانيتها في معالجة قضايا العصر المعقدة اصلاً أكثر من أخلية كل الشعراء والفلاسفة، ولا تتم معالجة مثل هذه الإختلافات إلي بمزيد من حرية الفكر الإبداع وفهم حقيقي لجوهر التحاور والصراع الفكري.
    حاولت بعض من الصحف ان تصطاد في الطقس المناسب لبذر فتنة اكبر وابتسرت أمر المصادرة في انه سطوع الصراع المستتر بين جيل الستينات والسبعينات، وحاولت ان تقحم ايضا تهميش جيل التسعينيات في مصر!! يرد علي ذلك الشاعر حلمي سالم في حواره مع "المستقبل" بتاريخ 23 ابريل 2007 عن ازمة مجلة أبداع ونصه الشعري "علي شرفة ليلي مراد" قائلاً:
    " الحوار الدائر في الصحافة حول هذه القصيدة ينحصر في اتجاهين: ذلك الذي يأخذ على القصيدة والشعر عموماً التعرض للأديان وازدراء الثوابت، والثاني يؤيد حرية الابداع ويستنكر النظرة الدينية الحرفية الضيقة للشعر على أساس ان الشعر مجاز لا ينبغي أن يقرأ قراءة بوليسية أو فقهية".
    من المعروف ان الشاعر حلمي سالم ناشط في مجال حقوق الإنسان وله مواقفه التضامنية المعروفة والمعلنة مع كل قضايا الحريات العامة في الوطن العربي والعالم وتشهد له بذلك اساماته النظرية والعملية والعلمية الشعرية والنثرية المشهودة مثل: "الثقافة تحت الحصار"، "سيرة بيروت ، "تحيات الحجر الكريم" " الحداثة أخت التسامح" " ثقافة كاتم الصوت" وجملة إصداراته عن مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان وكل كتاباته في مجلة أدب ونقد.
    بذهن وقلب مفتوح ظل الشاعر حلمي سالم يقدم دعمه الثقافي والتضامني للمبدعيين السودانيين الذين عبروا من بوابة القاهرة الرحيمة إلي المنافي البعيدة بعد ان استهدفتهم سلطة الجبهة القومية الإسلاموية بعد إنقلابها المشؤم 30 يونيو 1989م بشكل خاص ودفعت بهم إلي المعتقلات والسجون وبيوت الأشباح وشردتهم من من وظائفهم إلي المهاجر، ظل الشاعر حلمي مهموماً بعلاقات التجسير بين الثقافة السودانية والمصرية يستضيف المبدعيين السودانيين في صالون ابن رشد بمركز القاهرة للحقوق الإنسان حيث كان يعمل، وندوة أدب ونقد ويقدمهم بحب وندية للحركة الثقافية المصرية وصحفها ومجلتها الادبية التخصصة، ونذكر علي سبيل المثال للحصر منهم القاص عبد الحميد البرنس والشاعر عاطف خيري والفنان علاء سنهوري وغيرهم من جيل المهاجرين السوداننين الذين سبقوهم بالقاهرة.
    عندما حضرت إلي القاهرة 2001 منذ ان تعرفت علي الشاعر حلمي سالم اصبح دليلاً لي بشكل خاص في كل ما يتعلق بشئون العمل الثقافي بالقاهرة وكان مستشاراً ثقافياً طوعياً لمنتدي شموس الثقافي السوداني بالقاهرة عندما كنت أتراس لجنتة التنفيذية، ويشارك بفعالية في إنجاح كل الليالي الثقافية السودانية في القاهرة التي اقامها منتدي شموس في ذلك الوقت، ومفتاحاً لعملي الثقافي بالقاهرة، بفضله تعرفت علي العديد من المثقفين المصريين والعرب الذين يعبرون بالقاهرة، ولن انسى حضوره البهي وابتسامته التي تسبقه دائماً في تلك الإحتفالية التي أقامها منتدي شموس الثقافي السوداني لوداعي وعدد من مؤسسيه قبل مغادرتنا القاهرة، جاء علي عجل وتلي مقاطع من "تحيات الحجر الكريم" مازالت ترن في اذني وتحول مجري الأمسية الوداعية بعد قراءته المبدعة إلي تضامن ليس مع فلسطين فقط بل مع كل الشعوب المضطهدة. جاء الشاعر حلمي سالم برغم ظرفه القاهر وإرتباطه السابق بامسية شعرية اخري، جاء ليس تكريماً لعلاقتنا الشخصية بل ليؤكد تضامنه اللامحدود مع الشعب السوداني والمثقفين السودانيين.
    ويشير الشاعر حلمي سالم في حوار مع "المستقبل" 23 ابريل 2007 إلي الحل عند ما قال: الحل هو الدولة المدنية، انقاذ الدولة المدنية في مصر من براثن الدولة الدينية القائمة في مصر فعلاً.
    نعم ،
    سوف تذهب الفقاقيع، ويبقي حلمي سالم سالماً من الأذي ومبشراً بالآتي ورسولاً للغد الذي نحلم جميعاً معه خالياً من مثل هذا التربص الذي يحول حياتنا إلي كابوس لا ينتهي.
    نعم سوف يذهب الزبد!
    مُسامرة سودانوية ..المقال الشهري الذي يكتبه عفيف إسماعيل لصحيفة "المهاجر" التي تصدر عن مؤسسة المهاجر باستراليا.*

  4. #24
    رفاعي مُتميز الصورة الرمزية محمد فتحي
    تاريخ التسجيل
    Jun 2010
    المشاركات
    1,411
    معدل تقييم المستوى
    11

    افتراضي

    نافذةٌ لا تُغري الشمس

    بقبضتي أمسكُني من قفاي
    أقذفني بعيدا عن الكرة الأرضيّة
    ولا أهوي..
    عادل عبد الرحمن
    *****
    تقول السيرة الثورية للشاعر محمد محمود الشيخ الشهير بـ (محمد مدني) بانه اعطي أنضر سنوات عمره لنضال مستمر من اجل تحرير وطنه، وكان يقاتل بشراسة بكل ادواته الممكنة ،القلم، البندقية،وساعياً بين الناس يدعوهم للتضامن مع قضية شعبه العادلة حتي حصلت إرتريا على استقلالها الفعلي في العام 1991، وعلى استقلالها المعترف به رسمياً في العام 1993 عقب استفتاء أُجري تحت إشراف الأمم المتحدة.
    ****
    في غنائية إيقاعية ممتدة تتأرجح بين الحلم وتواتر الخيبات،وتحرض علي التماسك، تتدفق نصوص الشاعر الارتري المتميز محمد مدني في مجموعته الشعرية( نافذة لا تغري الشمس)، لتحكي حلم شعب بالإنعتاق، وهم شاعر بالوطن والحياة والإنسان ونبض تجربة عامرة بالتوحد بين الفكرة الإقتراب من الذات الإنسانية توثبها وفي نكوصها.

    حصافة شاعرية أختار بها الشاعر عنونة الديوان والنصوص بداخلة بدقة إيحائية للمناخ النفسي العام للنصوص المنطلقة من الذات الشاعرة بإيحاء مباشر عما داخلها من تأرجح مقصود بين الحسرة التبشرية الثورية الحالمة بالآتي مثل:
    ا/ الرسالة قبل الأخيرة/ رؤيا/ محاولة لإعادة رسم الخارطة/ زلزال/ سيرة ذاتية/ لماذا نكتب بالحبر أحيانا يحدث هذ) شهرزاد والمقصود/ إسقاطات/ أغنية لأطفال "آر"/ النشيد الصامت/ سفر العشق والكلمات.
    هذه المحاورة الصامت بين العناوين ما هي إلا محاولة تحضيرية لأسلوب الشاعر الفني في الكتابة هو التداعي الحر المباشر يرافقه مسباره التأملي النافذ ليتجول بين الزمان في ثلاثية الماضي والحاضر والآتي ويتفذ إلي جوهر الأشياء برغم التكلس وببطء عجلة التحولات ليبني صور شعرية ساطعة التركيب والمعني:
    ((ونظل ندور
    طوال الزمن الأعمي
    في افلاك الظاهر والمضمون
    كنا لا ندري..
    من منا
    يركض خلف سراب))

    لعل من أبرز ملامح مجموعة (نافذة لا تغري الشمس) إعتناء الشاعر بخارطة النص وشكله الفني وتوزيع مساحات البياض والسواد بين المفردات والجمل الشعرية وطباعة جمل أخري بالسواد الغامق أو نثر الحروف في تتدرج إيقاعي إلي أسفل يفيد الإشارة، ويكثف من حالة التدحرج والقهقهري التي يرصدها من خلال شعره، اعطت تلك اللمسة التشكيلية الكتاب مزاج بصري يساعد القارئ علي التجول بإيقاع موزن بين النصوص وسهولة تندرج تحت شروط مضمرة في لعبة الإستجابة في وعقدها المبرم طوعا بين القارئ والشاعر لتسريب المعني.

    يستصحب الشاعر محمد مدني اراجيز الأطفال والعابهم كرموز مستنطقة ضد القبح في زمن الحرب ومن أجل الأفضل دائما،:
    ((بيم...بوم...باك
    أنا حامد/ أنا دبروم/ أنا جنجر/ ألم مسفن وسعدية/ ابرهام/ محموداي/))
    تكتمل العذوبة حين ينتقل معدد اسماء الأشخاص والمدن والقري في حنين ما ضوي للمكان في معناه الأوسع من على خرائط الجغرافيا والوطن نفسه
    (( للذي نادى ((بايلول))
    علي الناس ........سلام
    للذي وحد (( حلحل)) ... بالعشق
    وبالموت ....سلام
    و(( لقلوج ))...... سلام
    و(( لعندات )) .... سلام
    ويحيلنا النص اعلاه لتوازي الحنين عنده كما جاء في سِفر الشاعر السوداني صلاح احمد إبراهيم ورائعته التي تغني بها فنان أفريقبا الأول محمد وردي "الطير المهاجر"
    علي نيل بلادنا سلام
    ونخيل بلادنا.. سلام
    برغم براعة الشاعر في الإستلاف من النص القرآني وما تناسل منه باٌنتقاله به من منطقة التابو المقدس إلي اليومي المتفاعل مع شئون البشر الحياتية، إلي انه علي مستوي التفجير البنائي للصورة الشعرية المقتبسة أكتفي ان يقتات منه بحذر في ظاهره ولم يوغل إلي التناص الذي يسند ويستند علي ما قبل ثم ينطلق إلي أفق أرحب قد يفوق الأصل علي المستوي التجديد الجمالي لبناء الصورة الشعرية وتحريك ساكن المضامين،ولا يحوصلها كمثل هذا الاستلاف الخجول الذي أفضي إلي ضمور الصورة وتحجيم مقدرات التخييل المشود لها بالبراعة والكفاءة الشعرية عند محمد مدني، فنجده يكتب مثلاً:
    (( في البدء
    وحين تدلت رجلاي
    لترسم فوق صليب البغي
    علامة إيمان وصمود
    زعموا ان الرب سيخسف بي الأرض
    وقالوا رشة سوءٍ
    من فضلات ثمود))
    أو
    خارج عنهم عارف قدره
    قادر إن دعي ان يعي وزره
    غن دعاك إذا حازماً أمره
    هيئي قبره
    وأشرحي صدره
    اغلب نصوص المجموعة الشعرية في باطنها كأنها كُتبت في هدنة بين معركتين، أو تم الأختزان التحضيري لها في مناخ نفس مشابهه، فجاء إيقاعها كأنه زخات طلقات سريعة وامضة وخاطفة وتحتشد بالشعار التلخيصي المباشر الاخاذ العامر بالحكمة والتأمل:
    ((لا.. لابتعاد الحزب عن حرب تقود إلي السلام))
    ((لا..لا قتراب الحرف من حل يحيل الي رماد))
    (( ونبقي طلقين رقم القيود))

    الشاعر الإرتري محمد مدني اهدي المكتبة الافريقية والعربية كتاباً سوف يكون يوما مرجعاً هاماً لعلاقات التجسير الثقافي بين الشعوب، واهدي الساحة الثقافية السودانية أعذب الأغنيات فلقد إجتزاءات مجموعة عقد الجلاد وساحرها الموسيقار عثمان النو في زمن باكر تلك الانشودة العذبة من نصه المركزي ( مناورات تاكتيكية نحو مبادرة استراتيجية) في تجربته الشعرية الذي تناسلت منه في ما بعد نصوص أخرى شملتها هذه المجموعة الشعرية ونصوص ما بعدها، يعرف عشاق عقد الجلاد تلك الغنية بـ (( أحتاج دوزنة، أو يا بحر)) وعالجتها موسقياً بما يكفي لقطع المسافة المشجنة بالوعود بين الحلم والتمني وإهتراءات الواقع المرير بنقرة الأوتار الأولي في معزوفتها الخالدة الطامحة لترميم عصب الإنسان ودوزنتة وفق منهاج الثورة علي البال والمتهالك الهالك، ووضعت بصمة أخري لإجتهاداتها النابهة لتجاوز مرحلة أغنيات واناشيد الرومانسية الثورية في نصوصها وموسيقاها، وأيضا االمبدع مصطفي سيد احمد بقدرة الفذة في أختار النصوص إجتزاء نصا آخر للشاعر محمد مدني وأسماه (( في صحة الوطن))فكانت عافية لعروقنا الظمأ للحياة والحرية ولعشاق فنه علي امتداد المليون ميل متعب يتفيأون بها كل ما تكاثفت الآفات عليهم وما أكثر مواسمها الدائرية في الحياة السودانية. وبذلك يشرع الشاعر محمد مدني نافذة كنافذة ((دالي)) علي الفضاء الطلق والريح تغري بالحب والثورة والإنتماء للإنسان والوطن، ودعوة لفهم إرتباكات الكائن في الوجود وإقتراب الذات المغتربة القلقة من ذاتها .

    نافذةٌ لا تُغري الشمس: شعر
    الشاعر الإرتري محمد مدني
    الناشر:مكتبة الشريف الاكاديمية / السودان
    عدد الصفحات:100 من القطع المتوسط
    الطبعة الأولي: يونيو 2000

  5. #25
    رفاعي مُتميز الصورة الرمزية محمد فتحي
    تاريخ التسجيل
    Jun 2010
    المشاركات
    1,411
    معدل تقييم المستوى
    11

    افتراضي

    وتبقي طفلة العصافير الموسمية

    مُسامرة سودانوية*
    ما أجملَ الفتى ، خفيفاً ... خفيفاً ، هابطاً في المياهِ ، لا يرى سوى خُصـلةِ الحوريّـةِ
    سعدي يوسف

    في أوائل التسعينيات من القرن المنصرم في تلقيد حميد وحميم للتفاكر وتبادل الاراء دعاني أبن مدينتي" الحصاحيصا" الموسيقار الهادى جمعه جابر أحد المؤسسين لمجموعة ساورا الغنائية ، لحضور البروفات التحضيرية تمهيداً لبدء إنطلاقها في افق الغناء السوداني الواسع. بجانب الفكرة الواعية نفسها في استصحاب آخرين يقيمون تجربة ساورا قبل انطلاقها من مواقعهم الابداعية المختلفة، فقد كان الحضور يشمل أطيافاً من الموسيقيين والشعراء، والتشكيليين، والمسرحيين، والنقاد، والعديد من طلاب الجامعات والمعاهد العليا بالخرطوم. كانت هناك اكثر من مفاجأة تنتظرني:

    الأولي: تلك الأغنية الساحرة الطازجة الشعر كشأن ساورا مع كل نصوصها الشعرية المعنونة بـ "طفلة العصافير الموسمية" للمسرحي والشاعر مجدي النور الذي رحل عن عالمنا إلي الضفة الأخري في اواخر العام 2006 قبل شهر من عيد ميلاده الاربعين.
    الثانية: ان استمع لأجمل صوت غنائي نسائي سوداني من فصيلة "السبرانو" وهو صوت المغنية هناء عبيدي، الذي يمكن ان أغمض عينيا وأسمعه إلي الأبد .
    الثالثة: ان تلعن تلك البروفات ميلاد ملحناً ولد عملاقاً وهو الموسيقار عبد الوهاب وردي ، ليس للأمر علاقة بالوراثة الجينية فقط التي لا نقلل من شأنها، بل لأن له خصوصيتة في التلحين وزوايا رؤيتة الموسيقية الواضحة البصمة والتفرد والجمال والخيال بعيدا عن ذاك الأسد فنان أفريقيا الأول محمد وردي.

    عند بدأت المجموعة تشدو بأغنية طفل العصافير الموسمية التي جانس فيها الشاعر مجدي النور بين معارفه الدرامية والسردية، والشعرية، إنتابتني حالة تشبه الجذب الصوفي المبين، وطارت بي الاغنية إلي سماوات لم ادركها من قبل، وصرت طليقاً مثل طير تخلص حتي من الفضاء نفسه، وليس امامه جوارح أو فخاخ، حالة من العذوبة والشفافية والإنبهار والسمو والسُكر والإنعتاق والتخلص من الوزن والزمكان، ومن برزخ الما بين، ومن الهموم الآنية والدوران اللهث اليومي لما يسد رمق الحياة، وتناولت في تلك اللحظات بمتعة فائقة وجبة كاملة الدسم من غذاء الروح ما زالت تسندني حتي الآن.

    تتبعت بعد ذلك خطوات الشاعر والمسرحي الراحل مجدي النور الفارهة ومساهماته المتعددة في مجالات ابداعية مختلفة أبرزها آثاره المسرحية التي ينطبق عليها قول غبريال غارسيا ماكيز"الخيال هو في تهيئة الواقع ليصبح فناً" فمجدي النور المسرحي في اغلب مسرحتها التي كتبها يتجول بين المنسي بين ابصار الآخرين بين اليومي العابر/الهامشي/ الدارج/ ليأسطر اللحظة الساكنة والعادية ويخرجها من كمونها وعاديتها إلي افق السحرية، لتعرض واقع ماساوي يضحكك لحد نهنهات البكاء ، ويعلق بذهنك مثل نصل مازق السؤال الذي سوف تظل تبحث بنهم عن اجابة له، وتشهد بذلك مسرحياته "مستورة" , " عجلة جادين الترزي" .. وغيرها من مسرحياته العديدة التي بعد ان تشاهدها تظل معك تؤرق احلامك بكوابيسها الغرائبية وبواقعيتها المفرطة المغلفة بدقة فنية في اطار فنتازي. فتخرج من عرضه المسرحي كالناجي من أهوال حرب ، وتحاول ان استطعت سبيلا التخلص من كل أوجاع التروما، وتفكر عملياً كيف سوف تغيير وتنقذ ما يمكن انقاذه من بؤس الحياة السودانية الذي اقتطف منه مجدي النور بحساسيتة الخاصة وإيماءاته اللماحة مشهدية كاملة الخراب جعلها تشغلك لدرجة الإنتباه والوسواس ، وجعلنا نري انفسنا في مرايا الواقع بعقولنا وقلوبنا في آن واحد. و تتوقد أذهاننا كمتفرجين فاعلين وطرفاً اصيلاً في عملية انتاجه الابداعية علي حسب منهجه النظري الذي يتبعه ويقف خلف كل اعماله العظيمة، محققاً بذلك احد ضروريات الفن السامية للحياة.

    أتذكر، وكأنه بالأمس فقط، في العام 1994 مجدي النور الممثل و تشخيصه المتمكن لشخصية " ذو الكوع الناشفه" في مسرحية " فرسان الرمال" الماخوذة عن رواية للكاتب البرازيلي جورجي أمادو بذات العنوان؟!! في عام تخرجه من كلية الدراما والمسرح تلك المسرحية التي هي مشروع التخرج لرفيقه وزميل دراسته المخرج عبد المنعم إبراهيم "شوف" والتي تعد من ابرز الاعمال في تاريخ كلية الموسيقي والدراما بالخرطوم تميزاً تمثيلاً وإخراجاً وأعداداً مسرحياً!!
    وفي نبض القلب والذاكرة أفلام مجدي النور ومسلسلاته القصيرة وأغنياته : طفلة العصافير الموسمية، فاجأني النهار، مشوار............ وابتسامته التي لا تموت هي عنوانه الدائم في كل القلوب وأغنيتة السرمدية!!
    سوف تظل سيرته وآثاره الملهمة لكل من يريد ان يسير في طريق المجد والنور اذا امتدت كل ايادي اصدقاؤه واجتمعت بعيداً عن الاشكال البيروقراطية لتنجز لنا وللاجيال القادمة مشروع مطبوعة " الآثار الكاملة للمبدع مجدي النور" كتابته الشعرية والمسرحية وسناريوهات الافلام والمسلسلات ، حتي تخطيطه الأولي لمشاريعه القادمة بخط يده وقصاصات قصائده المنسية وهناك وهناك بطرف الأصدقاء.

    كي نسطيع ان نبتلع أهوال هذا الغياب المبكر ولوعته للمبدع مجدي النور1967-2006 الدعوة ايضاً لمجموعة ساورا الغنائية، والموسيقار عبد الوهاب وردي بوصفهما أول من اطلق شعره مغنياً لتبني إنتاج ألبوم غنائي باسم " طفلة العصافير الموسمية)" وتلحين نصوص أخري من شعره. كي يبقي بيننا أحد رسل الحداثة والتجديد والتجريب والتنوير في الثقافة السودانية.
    فله المجد..
    وله النور..
    وسوف تبقي وتتوهج ولا تصدأ وتشتعل فينا مثل لبلاب سماوي إبتسامته و "طفلة العصافير الموسمية " إلي أبد الأبدين.

    * مسامرة سودانوية .. عنوان المقال الشهري الذي يكتبه عفيف إسماعيل في صحيفة"المهاجر" التي تصدر عن منظمة "المهاجر الثقافية" باستراليا

  6. #26
    رفاعي مُتميز الصورة الرمزية محمد فتحي
    تاريخ التسجيل
    Jun 2010
    المشاركات
    1,411
    معدل تقييم المستوى
    11

    افتراضي

    بيكاسو ماقبل وبعد الجرنيكا

    اللوحة الأولي:
    إنه الترمبيت
    من سلالة قرن الثور لايكف عن الإشتعال
    يشحذ الصرخة في ذاكرة الإنتباه
    ويشغل الروح التائهة عن ألوانها الباهتة
    ولا يمل من تكرار لحن إفتتاح المهرجان.

    اللوحة الثانية:

    دفئها يعوى مثل أنغام متوحشة يعزفها "الموسيقيون الثلاثة"
    دوائر حلزونية ، ومثلثات تتسابق وتتصاعد إلي اعلي:
    إخترق صلصالي
    وإحترق
    لكن لا تبتعد
    إقترب
    ولا تقترب..
    إبتعد
    ولا تبتعد..
    إقترب
    ولا تحترق..
    أحترق
    ولا تحترق..
    ف..ق..ط..
    إخترق
    إخترق
    أو
    إحترق
    إ..ح..ت..ر..ق.

    اللوحة الثالثة:
    ..لا لا..
    لا.. وألف لا سيدي
    لن أقسم بآلهة لا أعرفها
    أنا لا استخدم ألوان ذرية
    لم أرسمها
    أنتم من رسم "الجرنيكا"!!
    اللوحة الأخيرة:

    لم تكن هي التي ترقص بجنون تحت الرماد
    ولم يكن هو
    أو ظلهما
    أو "المهرج"
    أو" آرليكان " متنكراً في طيف حلم مكبوت
    أو همس التوق حين تحترق الرؤيا
    أو عين يتيمة لم تغادر بعد طفولة الرؤية والبدايات
    أو إنه يجرب رشقة ريشة يابانية
    بل كانت هي تلك الرغبة العجوز!!

  7. #27
    رفاعي مُتميز الصورة الرمزية محمد فتحي
    تاريخ التسجيل
    Jun 2010
    المشاركات
    1,411
    معدل تقييم المستوى
    11

    افتراضي

    الوان

    بيت بلون السلام
    أبيض أبيض
    أبيض
    أبيض
    ولا يخرج منه للعالم إلا نزيف الدماء
    حمراء
    حمراء
    أو لون الحداد..

  8. #28
    رفاعي مُتميز الصورة الرمزية محمد فتحي
    تاريخ التسجيل
    Jun 2010
    المشاركات
    1,411
    معدل تقييم المستوى
    11

    افتراضي

    عودة

    بعد عام من دفني
    عدت من موتي!!
    لم ينتظرني أحد علي رصيف المحطة
    كما كانوا ينتظروني
    عندما كنت اعود من احدي أسفاري الطويلة
    كل الذين اعرفهم
    وأحبهم/
    الباكون بحرقة في جنازتي المهيبة قبل عام
    لم يسألني واحد منهم هل هناك رماد؟
    أم
    صلصال؟
    أم
    أبدية؟
    هل هناك نار؟
    أم
    جنة؟
    أم
    لا شئ؟
    لم يسألني واحد منهم عن الغائبين هناك في الضفة الأخري
    بل فروا من أمامي
    وركضوا
    وركضوا
    وركضوا

    حتي الموت!

  9. #29
    رفاعي مُتميز الصورة الرمزية محمد فتحي
    تاريخ التسجيل
    Jun 2010
    المشاركات
    1,411
    معدل تقييم المستوى
    11

    افتراضي

    قبعات غير مناسبة

    كالخارج للتو من بيات طويل
    مازلت قابعاً علي شرفتي وراء المحيط
    أُربي الأمكنة بالنعاس//
    أرشو الذكريات بأغنية جديدة//
    في أول المساء اخلع قبعتي الضيقة وارسم احزاناً غجرية
    //نزيف يمتد بين القطبين//
    // بيوت طين لا تطمئن للمطر//
    //معطفاً شتوياً لا يلائم طقس المرايا//
    // ومحطات انتظار للذي لا يجئ//
    // وفقاقيع كثيرة
    ودوائر
    و شروخ//
    وليل ترك مقعده خالياً للهباء
    والهباء
    كعادته لم يكن بمكانه المعهود في ارخبيل الروح التي عبرتها نوارس تسابق الجهات
    إلي ملامح البعيد//
    همس ظل الغريب لظل غريب آخر حين تخثرت خطوات بوصلتهما في عتمة مفترق تعرجات دروب المتاهة :
    هل العمر رصيف قاحل يحتشد بمسافرين لا يبتسمون؟
    أم إنه قبعة غير مناسبة لذاك الخارج للتو من بيات طويل// ومازال قابعاً علي شرفته وراء المحيط// يربي الأمكنة بالنعاس// يرشو ذكرياته باغنية جديدة// ولم يخلع قبعته الضيقة/ الواسعة/ قبل ان يرسم احزانه الغجرية// ونزيفه المتمد بين القطبين// وبيوت طينه التي لا تطمئن للمطر// ومعطفه الشتوي الذي لا يلائم طقس مراياه// ومحطات انتظاره للذي لا يجئ// وفقاقيعه// دوائره// شروخه//
    ذاك الخارج للتو من بيات طويل يرغب ان يرمي قبل قبعته الضيقة/ الواسعة:
    الحقائب//
    الأرصفة//
    اللغات//
    الحاسوب الشخصي والبوم الصور الرقمية////
    المطارات وجواز السفر////
    دفتر المواعيد والتلفونات القديمة ورزنامة العام الجديد//
    بطاقات الهوية /التأمين / البنك
    الأعياد الرسمية/ وغير الرسمية
    من شرفته التي تمتد امامه كدهشة لسان الأبله أمام المحيط// ويعود كما كان قبل ان يولد مضغة تائهة في السديم
    متحدة مع كل العناصر
    مع كل الأكوان
    مع كل الأفلاك
    بلا ذكريات
    مثل عواء يحاول ان يمسك عواء في خيام المدي وتحت قبعات الريح

  10. #30
    رفاعي مُتميز الصورة الرمزية محمد فتحي
    تاريخ التسجيل
    Jun 2010
    المشاركات
    1,411
    معدل تقييم المستوى
    11

    افتراضي

    نصوص

    لماذا؟


    لماذا لماذا لماذا
    كل كل كل
    ما من ما
    نحبه نحبهم ننتظره
    يصير يتركوننا يصير
    بعيداً؟! لليتم المبكر؟! مثل جودو؟!


    11/8/2005

    سؤال



    لماذا
    اصبح
    حال
    هذا
    العالم
    يشبه
    اللغة
    العربية
    قبل
    التنقيط؟
    11/9/2005



    صرخة




    منذ
    ميلادي
    أصرخ
    أصرخ
    أصرخ
    إلا
    الآن
    لم يسمعني
    أحد.
    14/6/2005

    خطوات




    أنا
    والأرض
    صديقان
    لكنها
    تشتهيني
    في
    باطنها
    أكثر
    من خطواتي
    عليها.
    10/6/2005


    أحياناً



    الأحلام
    أحياناً
    تنتصر
    واغلب
    الأحيان
    تنتحر.
    3/5/2005


    جندي



    الجندي
    الذي
    يحارب
    في معركة لا اعداء له فيها
    يحاول
    قدر
    المستطاع
    ان
    يحرس
    ببندقيته
    عمره.
    6/8/2005







    عشق



    معكِ
    يغيب
    عقلي
    كي
    نليق
    بجنوننا
    معاً.


ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
الساعة الآن 01:11 AM
Powered by vBulletin® Version 4.2.3
Copyright © 2020 vBulletin Solutions, Inc. All rights reserved.
Translate By Almuhajir
المواضيع والمشاركات في منتديات رفاعة للجميع تعبر عن رؤية كاتبيها
vBulletin Skin By: PurevB.com