صفحة 1 من 11 12345678910 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 106
  1. #1
    رفاعي مُتميز الصورة الرمزية محمد فتحي
    تاريخ التسجيل
    Jun 2010
    المشاركات
    1,411
    معدل تقييم المستوى
    12

    افتراضي مكتبة عفيف إسماعيل

    http://ahewar.net/Upload/user/images...b965b00660.jpg

    عفيف إسماعيل
    * شاعر وكاتب مسرحي
    * من مواليد مدينة الحصاحيصا – السودان- 1962، مقيم بأستراليا منذ 2003
    صدر له:
    * فخاخ .. وثمة أثر " شعر " مكتبة الشريف الأكاديمية – الخرطوم- السودان2001
    * رهان الصلصال " شعر " كتاب مجلة شعر المصرية – القاهرة – مصر-2003
    * ممر إلى رائحة الخفاء "شعر" الهيئة المصرية العامة الكتاب 2006
    * إِنَّهُ طائرُك- شعر- دار الحضار للنشر- مصر- 2007
    * رهان الصلصال، ترجمة د.عايدة سيف الدولة
    سمنثا العالمية للتعدد الثقافي النشر- استراليا – 2005
    * رهان الصلصال – شعر- عربي إنجليزي. ترجمة د.عايدة سيف الدولة
    سمنثا العالمية للتعدد الثقافي النشر- استراليا – 2008
    * انطلوجيا منظمة شعراء غرب استراليا للاعوام 2006-2007
    * هذا العالم يكذب علينايا أمي، عربي- إنجليزي.
    سمنثا العالمية للتعدد الثقافي النشر- استراليا – 2009
    بيريكلي بيير استراليا 2010
    *طيور يتيمة- شعر- عربي انجليزي
    بيريكي بيير- استراليا 2011
    اصدارات جماعية:
    * انطولوجيا تحت لهاة الشمس- الجزائر
    * انطلوجيا منظمة شعراء بلا حدود استراليا
    * اصداء الظلال كُتيب شعري مشترك مع فيفيان غلانص استراليا

    * تُرجمت متفرقات من شعره إلى عدة لغات منها: الإنجليزية، الألمانية، اليابانية. ,والمجرية.
    السودان:
    * عضو مؤسس منتدي الحصاحصيا الأدبي
    * عضو مؤسس جميعية أصدقاء المبدع مصطفي سيد أحمد الحصاحيصا/ الخرطوم
    * سكرتير ثقافي نادي الأهلي الثقافي الجتماعي الرياضي 1980-84
    * عضو اللجنة الثقافية بمؤسسة الشبيبة التريوية لحصاحيصا98-2001
    * عضو اللجنة الثقافية بمؤسسة النيل التربوية الحصاحيصا79-1999
    * عضو جماعة الجمام المسرحية- الخرطوم- حتي 2001
    * عضو منتدي مكتبة البشير الريح أمدرمان
    * محرر بجريدة الحصاحيصا
    مصر:

    * عضو مؤسس منتدي شموس الثقافي السوداني بالقاهرة، ورئيسه لدورتين
    * السكرتير الثقافي للمؤسسة الأمريكية الأفريقية لضحايا التعذيب
    * محرر بمركز الدراسات السودانية القاهرة
    * محرر بمجلة شعر المصرية لقصيدة النثر
    * محرر متعاون مع مركز القاهرة لدرسات حقوق الإنسان
    * محرر متعاون مزكر النديم للتاهيل
    استراليا:
    * مؤسس منظمة أجنحة لتمنية الثقافات وريئسها لدورتين
    * عضو مؤسس لمنظمة شعراء غرب استراليا
    * عضو جماعة خارج المنفي الثقافية
    * عضو منظمة شعراء بلا حدود
    * عضو منضمة " PEN" العالمية- استراليا
    * عضو منظمة تلفزيون الجاليات
    * عضو مجلس الجميعات الاثنية بغرب استراليا
    * مخطط ثقافي طوعي للانشطة السودانية والافريقية والعربية بغرب استراليا
    * محرر بجريدة المهاجر السودانية باستراليا
    مشاركات ومهرجانات وجوائز وحوافز:
    * مهرجان الإبداع ود مدني- السودان 1984
    * مهرجان نادي المواهب الشباب برلين 1990
    * مهرجان المبدع مصطفي سيد احمد القاهرة 2002
    * اسبوع الشعري القومي بغرب استراليا 2004-2006-2008
    * اسبوع الشعري القومي سدني 2007
    * مهرجان الربيع الشعر بغرب استراليا 2005-2006-2007- 2008
    * الترشيح لجائزة 2007 Kit Denton أستراليا
    * ورشة الكتابة المسرحية القومية كانبرا 2008
    * منحة السفر للمشاركة في معرض القاهرة الدولي للكتاب 2007
    * منحة منظمة الكتاب المسرحيين 2008 استراليا
    * مهرجان مدرسةRosalie لكتابة الأطفال 2008 بيرث/ استراليا
    * مهرجان مدرسةAll Saints’ College لكتابة الأطفال 2009 بيرث/استراليا
    * جائزة مبادرة غرب استراليا لتطوير المسرح، عن مسرحيته أكفان أو اموات.2009

  2. #2
    رفاعي مُتميز الصورة الرمزية محمد فتحي
    تاريخ التسجيل
    Jun 2010
    المشاركات
    1,411
    معدل تقييم المستوى
    12

    افتراضي

    تَشبَهي العيد في بَلَدْنا

    صدفة مجيدة جعلتني أشهد ميلاد أغنية "تشبَهي العيد في بلدنا" الفارعة، من أشعار الشاعر محمد الحسن سالم حميد، وألحان وغناء الفنان المتجدِّد عاطف أنيس، الذي تَغنَّى من قبل بالعديد من أشعار حميد منها: (الطائر)، و(عاش متَّزن ونبيل)، و(إتيقَّنتَ من تَالاك).
    في أبريل من العام 2012م تلقَّيتُ دعوةً من جامعة نيويورك لتقديم ورقة عن مسرحيتي للأطفال "الساحر الإفريقي" ضمن أوراق عمل مؤتمر يُعنى بمستقبل مسرح الطفل، نظَّمته تلك الجامعة العريقة، كان برفقتي المخرج الأسترالي جيرمي رايس، الذي أخرَج المسرحية في العام 2010م لشركة "براكنغ جيكو" لمسرح الأطفال بغرب أستراليا. سعدتُ بالدعوة لأكثر من سبب: إنها المرة الأولى لزيارة أمريكا، التي يقولون أن لا مثيل لها بين البلاد!، وهل ما زالت في عهد أوباما هي نفسها ذات العماد؟، فضلاً عن تمديد خطواتي في الكتابة المسرحية إلى قارّة أخرى، والالتقاء بمجموعة من المهتمّين بصناعة مسرح الطفل على مستوى العالم. وأهمّ من هذا وذاك لقاء مجموعة من الصديقات والأصدقاء بأمريكا، وأوّلهم الصديق الفنان عاطف أنيس وأسرته المكوّنة من رفيقة الفرح والألحان والغُربات المستطيلة الأستاذة غادة محمد موسى "بن بن" وصغيراهما" أُلفة ونزار".
    ليس هناك أجمل من لحظاتِ تواصُلٍ إنساني مع مَن تحبّ من الصديقات الأصدقاء، وتلك الرفقة الملهِمة، التي تعيد الماضي بكلّ سطوع حنينه وألق رحابته التي تعجّ بنحل ورحيق سيرة الصديقات والأصدقاء، في الشتات الغجريّ في جهات الأرض، بعد هبوط الطفابيع بأرض كُوش، وأيضاً تأمل ماذا فعلَت سُخرة العوالم الجديدة في المنتوج الإبداعي للمهجّرين قسراً، وكيف وُلدَت هذه الإشراقة البارقة أغنية "تَشبَهي العيد في بلدنا" التي تشكِّل انطلاقةً جديدةً في مشروع الفنان عاطف أنيس الغنائي، الذي تُجمِّله أغنيات كثيرة لعدد كبير من الشعراء منهم: محجوب شريف،، وأزهري محمد علي، ومحمد طه القدال، وخالد عباس، ونجلاء عثمان التوم، وميرغني الماحي، وودبادي، ود.طلال دفع الله، وعماد حسن.
    منذ أن حطَّت الدابّة الحديدية التي تطير بين المحيطات رحالَها بمطار جون كنيدي الدولي بنيويورك، ظلَّ صوت عاطف من واشنطون يتبعني بحنوٍّ في كل خطواتي، وتَطول مكالماتنا الليلية حتى يدرك شهرذاد الصباح، فأنام على صوته لأصحو عليه باكراً أيضاً، قبل أن يرنّ جرس ديك الحداثة بصوت معدنيّ من فخر الصناعة الصينية. ويتَلْفِن عاطف للأصدقاء بنيويورك للعناية بي. هل قلتُ شكراً لمنتصر صديق "بِسْتِم"، وعلى تلك النهارية الوريفة بنيويورك إذْ تجوّلتُ معه في كلّ محطات عمله مع المنظّمات الإنسانية في إفريقيا، وحملتُ عنه هديته من إلى صديقه عاطف أنيس؛ عود عِراقي جديد وأوتار ألمانية الصنع، دَوزَن بها عاطف في ما بعد أغنية "تَشبَهي العيد في بلدنا".
    في محطة قطار واشنطون تعانقنا كَرْفَة وقَلْدَة وضحكة ودموع، لم يتفهّم أطفال غادة وعاطف "أُلفة ونزار" أسباب هذه الدموع، وتلك العبرات الخانقة، بعد أن تسبَّب هذا الغريب في تأخير مواعيد نومهم المقدَّسة، بل هما مجبران على مخاطبة هذا الرجل الغريب الذي احتلّ غرفة "أُلفة" بكل أدب واحترام بـ"عَمُّو". لا أدري متى نمنا ومتى صحونا، كل الذي أعرفه أن هناك مُسامرة ممتدّة بيينا لم تنقطع، كان كلٌّ منّا كأنه وَجَد تلك الآنية الفخارية، وخرج له منها مَن يقول له: شبيك لبيك أنت في أسعد لحظة لديك. أو وجد ذاك المصباح السحري الذي حقَّق لي أن أكون جالساً في أمان الرّفقة الطيبة ودفء أسرة عاطف. في مساء اليوم الثاني، يحضر عاطف العود، وبيُسراه ورقة دَبّوستها في الناحية اليمين، عكس دبابيس أوراق الخواجات التي كنتُ أتصفّحها طيلة أيام مداولات المؤتمر بنيويورك، فأدركتُ أنني مُقبل على حالة سودانية خالصة وخاصة، فأحضرتُ سريعاً أدوات توثيقي التي لا تفارقني؛ كاميرا ومسجّل صغير يستطيع أن يلتقط فرفرات النملة في بطن أمها قبل أن تُولد.
    - تعرف النص دا طبعه لي حمّيد بيدّو في آخر زيارة لي لبلدنا، وهذا التصحيح بقلمه أيضاً!.
    قال عاطف وهو يمدّ لي بالورقتين بحرص درويش لا يريد أن يفسد حجاب شيخه، بنفس العناية تناولتُ الأوراق، وبدأت أقرأ بعينين صامتتين، وعاطف يدوزن أوتاره:
    - الرطوبة دي هنا ما بتخلِّي الأوتار في حالا كلُّو كلُّو، لكن منتصر صديق دا الليلة عمل فيني خير كبير بالأوتار الألمانية دي.
    كنتُ في تلك اللحظات أتجوَّل مع عوالم حميد في نصه الموسوم بـ"عَضُم ضَهَر المعْزَة" الذي أكاد أن أشمّ منه رائحة طمي النيل، وعَرَق الناس، وصراخ الأطفال وصخبهم، وغابات النخيل تُطعم أهلها بت تمودا والمدين، وترسل لنا في الأطراف البعيدة من البلد الجَاو والبَرَكاوي، كي يصير عصيراً معبأً في زجاجات شفّافة يشفي أو يشقي ليل الساهرين، أو قُنديل يزيّن صحناً من بليلة الكَبْكَبِي يتناولها الصائم أولاً كي يعلن انتهاء يوم طويل من المشقّة الطوعية، أو يجلس بكلّ جلال مع حلويات مستورة ينافسها بلونه العاري تماماً، مثلما ينافس حميد نفسه عندما يمزج، في هذا النص، بين هموم العام الخاص في كوب سوداني مضياف، يقول لك هَيت لك، بطعم رايق ينتشر سريعاً في الروح والقلب وبين تجاويف الذاكرة. وأنا أعاظل فخاخ حمّيد الرحيمة، وأتقافز من هناك إلى هناك، مثل طائرٍ جاء من رحلة بعيدة ورَكّ على غصن، تلعب تحته جوقة من الأطفال المرحين، يعدون وليمة للشغب ضد السائد وعلى مزاج ممراحِ من الود والمشاكسة التي تنتهي بدمّل يظلّ علامةً مدى العمر وبصمةً في الذاكرة وضد النسيان، يا للحمّيد الشاعر!، يا لفداحة الغياب!، كم من السنوات الضوئية سوف تنتظر هذه الأرض الطيبة كي تنجب مثلك مرةً أخرى؟!.
    انتبهتُ إلى أن عاطف تجاوز مرحلة دَوْزَنة أوتار العود إلى منطقة أخرى أكثر انسجاماً، وصار يعزف مقدّمة موسيقية للَحن جديد لم أسمعه من قبل!، لحن به نداء غامض وحنين، وتوثُّب خافت لشخص يسير في نومه، أو في آخر مراحل الكابوس، والنائم في ملكوت الاختناق يتعرّق بكلّ مسامه، يعرف أنه كابوس، لكن لا أحد يسمع صوته الصارخ غيره، تتردّد أصداؤه داخله. ثم جاء صوت عاطف مثل أمواجٍ تتعرَّف على اليابسة لأول مرة، تغازلها وتحتضنها، ثم تزحف فيها لتتمدّد بلا ضفاف، صوته الراعف بالحنين صار يُهدهِد روحي، سريعاً أغلقتُ غرفة الدموع بذهني حتى لا تُفسِد عليّ بهجتي وتُضيف طلّسماً آخر لـ"أُلفة ونزار"، ثم أغلقتُ الغرفة المجاورة لها، التي تخصّ التأمّل والمقارنة والمقاربة، وتسكنها كلّ معارفي النقدية، لم أكتَفِ بإطفاء الأنوار بها، بل أغلقتُها بطبلة إضافية مَسُوكَرة وتَرْبَاس له صرير، سريعاً أغلقتُ غرفة الزمكان أيضاً، حتى أحتملَ ثُمالة تلك اللحظة الفريدة، حينها تركتُ نافذةً وحيدةً بجدار روحي. رويداً رويداً دكَّت أمواج صوت عاطف الهادرة جدارَها، ودحرجت قلبي مثل كُرة يتقاذفها صغارٌ لأول مرة، عندما بدأ يشدو بـ:
    يا شِدِيرْ الخِيرْ في صَنَّكْ
    يَاكْ سَرَابَاتِي البَظِنَّكْ
    والشُّمُوشْ طَعَمَنِّي حِنَّكْ
    يَاتُو رِيْحْ تَنْتِفْنِي مِنَّكْ
    يَا مَوَاثِيقِي العَلِيْهِن
    تَاكُلْ اَحْلامِي العَدِيلَة
    زَيْ شَرَفْ تَكَّايُو إنْتِي
    يَا شَرَفْ كَمِّينْ قَبِيلَة
    خُشِّي سِعْنَ البِينَّا كَنَّكْ
    يا هَجِيرِيَّة وظَلِيلَة
    ..
    ثم...
    صارَ قَبلي يحجلُ مصفِّقاً مع الدَّلِيب، وصوتي يردّد كورس:
    هِيْلا يَا أَبَنُوسَةْ هِيْلا
    هِيْلا يَا أَبَنُوْسَةْ هِيْلا
    وتلك اللحظة صنعتها عبقرية المبدع عاطف أنيس، وحقَّقتها بمهارةٍ، بأن جعل هذا المقطع من الأغنية أليفاً، وبه مساحة مشاركة لمتلقٍّ مثلي؛ يمتلك صوتاً أجشَّ يصلح لسائر الأغراض الجهيرة عدا الغناء، لكن عذوبة اللحن وتحريضه لا تترك مجالاً للتفكير في مثل هذه الترّهات. تلك لحظة يصنعها الفنان بعذوبة تجعل كلّ روحٍ مفردة تظنّ أنها قادرة على فعل سابع المستحيل، وهو الغناء. وكنتُ مثل عنقاء أنفض الرماد عن صوتي أدندن معه. وثَمِلَ عاطف بلحنه، وصوت "غادة بن بن" يعلو يسانده من بعيد، وصار يردِّد المقطع الأخير بلا توقّف، وكنتُ ثملاً به إلى حدٍّ لا يُوصف، وتمنيتُ أن لا يتوقَّف أبدأ عن غناء ذاك المقطع. أين أنت يا مصباح علاء الدين السحري، وتلك الآنية الفخارية التي تسجن من يجيب الأمنيات؟، أين هم كلّ جدودي الميامين لَحّاقين البعيد؟، أتمني أن يظلّوا بعيدين ولا ينجدوني من غرَقي في تلك اللحظة الماتعة حدّ التعتعة، فهذه الرسالة التي أبرقتُ بها لهم في ذهني كاذبة؛ ناموا في ثباتكم الأبدي آمِنين، ودَعوني أغرق..أغرق.. أغرق ولا تدركوني.
    ::


  3. #3
    رفاعي مُتميز الصورة الرمزية محمد فتحي
    تاريخ التسجيل
    Jun 2010
    المشاركات
    1,411
    معدل تقييم المستوى
    12

    افتراضي

    في مساء اليوم الثاني كان لي حظٌّ آخر مع أغنية "تَشبهي العيد في بلدنا" حين دلفنا إلى منزل الأستاذ عدلان عبد العزيز، الذي أشرق وجهه مثل قدّيسٍ تَوحَّد في حب الناس والأرض. كان برفقتي من أبناء مدينتي الحبيبة الحَصَاحِيصَا؛ الصديقان الشقيقان أنور وبدر الدين الحاج، ووجدنا هناك الموسيقار يوسف الموصلي، مثل بستانٍ من المحَنّة يبتسم، وهو يعانقنا واحداً تلو الآخر. ويعلو صوت صلاح الزين مُرحِّباً مختزناً ذاكرة كل كرَّاكات الجزيرة، لتختلط عليَّ الأزمان، وتأتي الذكريات كلها دفقةً واحدةً، بعضُها ملطَّخ بالغبار والطين وتُرَع مشروع الجزيرة وضفاف الأزرق، ثم امسيات خرطومية في زمن ديموقراطي علي نجيلةإتحاد الكُتاب، وأخرى أنيقة تتوالى سينمائياً من سيناريو مُوازٍ لا أستطيع التحكُّم به، يجدلها نصّ الصديق أيوب مصطفي "وَانْجَا" الذي تدفَّق في تلك اللحظات بالذاكرة كله دفقة واحدة بصوته الوسيم، متضمّناً إهداءَه إلى صلاح الزين ونجوي الفكي.
    ::
    وانطلقَت تلك المقدّمة الموسيقية، ذات الجينات التي تنتمي إلى الحنين وما جاوره من مشاعر. لمحتُ ملامح الموسيقار الموصلي تصفو بشكل ملحوظ، وهو يغمض عينيه بهدوءٍ ينتمي إلى ما أرادَ أن يغوص فيه من مكانٍ يخصُّه بعيداً عن تلك اللحظة المشتركة بدفء الأصدقاء. وعندما انطلق صوت عاطف أنيس، فارضاً مهابته على تلك اللحظات، رأيتُ أثواب أنور الحاج، التي رأيتُه بها طوال مراحل معرفتي به، تتبدّل سريعاً وتختفي، كأن هناك مصمّم ماهر يجيد الفوتوشوب يبدله من حالٍ إلى حال، يَنزع عنه بدلة الوزير، ثم بدلة الدبلوماسي، ومعها هموم السياسي المحترف المشغول بالوضع الحاذق لما تبقى من سودان، ثم ذاك الجلباب الأبيض، وبعده العرّاقي البلدي والسروال الطويل الذي يخصّ قَدْلة في عَصَاري الحَصَاحِيصَا ووَدْسُلْفَاب أو في مساء ضَقَّالِي حميم، ثم يعود أمامي فجأةً ذاك الطالب الجامعي الأنيق يرتدي بنطالأً أسودَ، وقميصأ أبيضَ به خطوط رفيعة طولية باللونين الأزرق والأحمر، مَكوِيّ بعناية أنيقة، يكملها ذاك العطر الهادئ الذي كان يتقاسمه مع أنفاس خاله الفنان المبدع مصطفى سيد أحمد، الذي كان يشاركه سكنه ذات ديُوم خرطوميّة.
    عاطف أنيس ما زال يوزِّع هديله بالتساوي بين الحاضرين. أشفقتُ علي بدر الدين الحاج الذي أثْمَلَه اللحن، وفقَد السيطرة على ثقل جسده العملاق، سريعاً تناولتُ منه كاميرا الفيديو، التي كادت أن تسقط من يده، عندما رأيتُ قامته الفارعة تتذاوَب، حتى صار ذاك الطفل الصغير الذي يقلِّد أباه في كل شيء، ويتشبّه به حتى في ملابس العيد الجديدة، التي يرتديها مختالاً لأول مرة، وهو يمسك أصبع أبيه الحاج محمد أحمد، ويحاول أن ينفخ صدره في المسير مثله، ذات صباح عيد في بلدنا.
    أما صلاح الزين فقد صار مثل درويش هائم في ملكوته يردِّد بصوت هامساً حينا وعالياً أحياناً أخرى:
    - الله عليك يا عاطف يا أخي!، الله عليك يا عاطف!.
    وعندما اشتعل المكان بنبض الدَّلِيب ازدادت ملامح الأستاذ عدلان عبد العزيز إشراقاً، وفرحٌ طفوليٌّ طافَ بعينيه، خلتُ قلبَه يحجل مثل قلبي الآن، رأيتُه يعود باسماً نزقاً إلى مكانٍ بعيدٍ يشبه صباحات العيد في قريته "البَاسَا" في أزمانٍ بعيدة، التي كانت تبتهج بزينة طلّة "هَاموشها وعجوبة وجليِّلا"، وهو يردّد مع عاطف:
    مَا حَصَلْ جِيْتِكْ لِقِيْتِكْ
    إلاَّ عَازْمَالِكْ سِحَابَةْ
    في خَلاَ البَلَدْ السَّقَاهُو
    يَبْدَا مِنْ عَطَشْ الغَلاَبَةْ
    ويَنْتَهِي بِكْ يَا تُرَابَا
    يَا سَمَاوَاتَا ونَخِيْلاَ
    وفي النَّخْلْ شِنْ مَابْ يَفَرِّحْ
    هِيْلاَ
    يَا أَبَنُوْسَةْ هِيْلاَ
    ويَا تَبَلْدِيَّةْ وأَرَاكَةْ
    كُلِّ حُوْبَةْ ولِيْهَا خِيْلا
    ::
    يا لي مِن محظوظ بهذا الفرح المنغّم!. في مساء اليوم الثالث كنّا هناك، في أمسية للمسامرة حول تجربتي، أقامها التحالف الديموقراطي بواشنطن، وقدمتها التشكيلية محاسن أحمد محمد "سونا" كنتُ أراقب الثمالة الجماعية حين تغنّى الفنان المبدع عاطف أنيس بأغنية "تشبهي العيد في بلدنا" لأوّل مرة أمام جمهور عريض، كأنّ الجموع كانت على موعد مع لحنٍ تعرفه من قبل، وتلك عبقرية الفنان عاطف أنيس ضد التغريب، إنما هي تمديدٌ لما هو موجود من تراث لحنيّ ونغميّ يخصّ أغنية وسط السودان، كلُّهم صاروا يردِّدون المقاطع ذات اللحن الجماعيّ معه منذ أول مرة، خاصة صديقي إبراهيم محمد أحمد الحاج الذي كنت أجلس قربه رأيت بريقاً متواتر يتطاير من عينيه، تلك الحالة الشفيفة هي خليط رهيف بين البكاء والفرح والنشوة تماما تماما كما رأيته من قبل ذات ثمانيات في حضرة خاله الفنان مصطفي سيد أحمد في منزله وهو يغني لنا لأول مرة أغنية "ولله نحن مع الطيور" قبل خروجها للجمهور. وتلك العبقرية اللحنية التي ينتمي إليها الفنان عاطف انيس تعود بالغناء السوداني لأصله الجماعي يدركها المستمع السوداني من ألحان محمد وردي وبشير عباس والكاشف وسيد خليفة وعمر الشاعر ومصطفي سيد أحمد والفاتح كسلاوي وعثمان النو وحسن بابكر وود الحاوي وشَمّت محمد نور.
    ::
    الفنّان المبدع عاطف أنيس من جيل الحساسية الجديدة في الأغنية السودانية، يمتاز بمعرفةٍ حصيفةٍ في انتقاء النصوص الشعرية، وتشهد بذلك كل الأغنيات التي لَحّنها وتغنّى بها، وأيضاً تلك السرعة الخاطفة التي نفد بها ألبومه الغنائي الأول"شكراً" الذي أشرف عليه فنياً الموسيقار ربيع عبد الماجد، عندما تخاطفته اذان محبي الفنان عاطف أنيس من منافذ البيع في الخرطوم عندما طُرح في التسعينيات متزامناً مع هجرته إلى بلاد العم سام.
    تُمثِّل أغنية "بتشبهي العيد في بلدنا" للشاعر الفذ محمد الحسن سالم حميد قفزة نوعية في مشروع الفنان عاطف أنيس الغنائي، تكمن صعوبة نصوص حميد في أنها كنصوص شعرية لها قامتها الفارعة كشعر لا يتوسّل لحناً أبداً، بل موسيقاه الشعرية الغنائية خادعة جداً لمن لا يعرف مفاتيحها، وقد تجعله يدور في فلك الإلقاء الشعري لحميد بمصاحبة موسيقية، كما فعلت بعض التجارب اللحنية الشابّة مع أشعار حمّيد، لكن الفنان عاطف أنيس أنجز بهذه الأغنية أعلى نخلات مشروعه الغنائي حتى الآن، خاصة في ممارسته الاجتزاء الموفَّق، الذي مارسه بحساسية عالية في معرفة الروح الداخلية للشعر، ومزاوجة أجزاء مختلفة من النص الأصل، وتلك البراعة في أختيار مفتتح الأغنية برهافة تشكيلي يعشق الألوان المائية، ثم التقافز بحرفية واعية وماهرة بين الأجراء المختلفة من النص الشعري وحولته إلى فضاء الأغنية.
    تذكَّرتُ، عندما سمعتُ الأغنية للمرّة الثانية، وكسرتُ عنوةً تلك الطّبلة المسُوكَرة بتلك الغرفة المطفأة الأنوار في مسائي الأول مع عاطف عندما سمعتُ الأغنية لأول مرة، وقلت له:
    - متي لحنت هذه الأغنية ؟
    - قبل يومين ودي أول مرة أغنيها كاملة!!
    - أحسّ بأنهما أغنيتان في أغنية واحدة، فما رأيك لو تجرِّب المقطع الأول والثاني كأغنية، والمقطع الأخير كأغنية منفصلة؟
    - أظن يا عفيف سماعك لغُنا الخوّاجات القُصار دا خرَب طبعك، وأثَّر على حبّك للأغنيات الطويلة، أنا داير أغنية تكون مشبعة.
    - أبداً يا عاطف، أنا من جيل "الحزن القديم" و"هذه ليلتي"، و"تلك الصخرة" و" وليلة المولد"و"المصير" و "زاد الشجون".
    - يا زول مالُو خلّينا نجرِّب.
    أمسك عوده، وظلَّ بصبرٍ يجرِّب كلّ المحاولات المختلفة التي اقترحتُها عليه، ويضيف أجزاء أخرى من النص ثم يعدّلها، لكن يبدو أن ما قلته لا سند له، وعاد لا شعورياً في آخر المساء يردِّد اللحن كاملأً كما كان منذ البدء. وما اقترحتُهُ لم يقنع مخيلته التي كانت ترى ما لم أكن أراه في تلك اللحظات، وهو تمام اللحن في ذهنه، مُموسقاً بأوكسترا كاملة.
    في أحد دهاليز اليوتيوب العجيبة وجدتُ أغنية "تشبهي العيد في بلدنا"، بعد خمسة أشهر من ميلادها، بعد أن تخلَّصَت من محدودية آلة العود، ونفَّذَتها باقتدارٍ مجموعة "أوتار النيل الموسيقية" التي وضعت بصمتها المميّزة عليها، فصارت أغنية كاملة الشموخ والجلال بحقّ، وتشبه العيد في بلدنا، وأدركت أنني كنتُ سوف أحرم محبي الفنان عاطف من أغنية مشبعة كما أراد لها الفنان عاطف أنيس!، كلّ ما تحتاج إليه هذه الأغنية الآن لتصل إلى التمام الذي تستحقّه، أن يمسَّها بريق التوزيع الموسيقي من المخيلة الساحرة للموسيقار يوسف الموصلي، أو من حداثة الموسيقار ربيع عبد الماجد، بعدها سوف تجلس أغنية "تشبهي العيد في بلدنا" المشبعة بهدوء في مكتبة الأغنية السودانية الحديثة.

    ::
    و..
    في...
    مطار واشنطون، الذي يعجّ بالمسافرين من كلّ جهات الأرض، ونحن نتبادل حزناً مجوّفاً، استعداداً للحظات الوداع التي لا بدّ منها، قبل عودتي إلى أستراليا، كنا نبدو مثل الذي يسير في جنازته، تماماً، تماماً مثل كل الرّجال الجُوف السودانيين الذين يَبرعون في إخفاء مشاعرهم الحقيقة في مثل هذه الظروف مع سبق الخنق والإصرار. الصغيران أُلفة ونزار وجدا براحاً واسعاً، فصارت خطواتهما أسرع منا، فخَلَقا لنا ما نفعله كي نشغل أذهاننا عن ثقل تلك اللحظات بالهرولة خلفهما، وعندما حانت تلك اللحظة التي كنا نهرب منها، جلست كي أودِّع أُلفة أولاً، فجأةً وجدتُ نزار يقفز إلى عنقي ويطوِّقها بيديه الصغيرتين وهو يقول بصوتٍ مخنوقٍ بإنجليزيته الطفولية الصادقة:
    - سأفتقدك جداً.
    كانت تلك الهمسة التي قصَمَت تماسُك عاطف، وحوّلته إلى شظايا، فركض مسرعاً وهو يغالب دموعه إلى خارج المطار من غير أن يودِّعني!، هذا الفتى الصغير المعجون ببعض جينات الحنين، التي تشبه العيد في بلدنا، جعل هروب أبيه ممكناً.
    وحلَّقت تلك الدابّة التي تطير في ليل المحيط المهيب، وكنتُ أحمل كلّ رعاف العالم في قلبي، والروح مشتّتٌ في الجهات، ذهني ملتصقٌ بالأرض مثل بطن سلحفاة، فقط ما جعل تلك الرحلة الطويلة التي امتدّت يوماً كاملاً وثلاث ساعات محتملة، هو تلك الأغنية الباهرة التي لا تُمَلّ برهافتها الكامنة، كنتُ كلما أصحو تناديني تلك الأغنية الجميلة كي أعيدها مرة أخرى، حتى نفدت مؤونتي من حجارة البطارية عالية الجودة قبل أن أرتوي تماماً من أغنية "تشبهي العيد في بلدنا".

  4. #4
    رفاعي مُتميز الصورة الرمزية محمد فتحي
    تاريخ التسجيل
    Jun 2010
    المشاركات
    1,411
    معدل تقييم المستوى
    12

    افتراضي

    صور شعبيّة.. وقسم السّيد أدفريني

    المكان: مدينة الحصاحيصا، ستديو الحصاحيصا
    الزمان: النصف الأول من تسعينيات القرن الماضي
    ......
    كنتُ بالغرفة الصغيرة المظلمة التي تُسمَّى "المعمل" في الجزء الخلفيّ من الأستديو، أعالج المرحلة الأخيرة من تظهير صورة لزبون سوف يحضر بعد عشر دقائق، حين سمعتُ ذاك الصوت المألوف ينادي:
    - أهل الدار.. سلام عليكم.
    - مَرْحَب بيك.. اتفضَّل دقائق بس وأكون معاك.
    - يا عفيف يا أخي نِحْنا جاينَّك من آخر الدنيا تقول لي دقائق!.
    أدركتُ أنني أعرف صاحب هذا الصوت معرفة وثيقة، سريعاً طُفْت بكل الملفّات الصوتية في ذهني لعلِّي أجد صوتاً يطابق صورةً لشخصٍ أعرفه، لم يَهْتَدِ ذهني الذي كان مشغولاً باللحظة الفاصلة التي تَظهر بها ملامح صورة الزبون بتدرُّج الظلال على ورق التصوير، تلك هي اللحظة المفصلية التي تحدِّد جودة الصورة وصلاحيتها للأوراق الثبوتية، إن بقيَت ثوانٍ أخرى في المحلول سوف تسوَدّ تماماً حين تعالى الصوت مرة أخرى:
    - يا عفيف نمشي ولا شنو يعني؟.
    - لحظة واحدة بس.
    على حوض محلول التثبيت رميتُ بالصورة وقد اكتملَت ملامحها السمراء وهي تفتعل الجدية المطلوبة التي تليق بصورة لاستخراج الجنسية السودانية. غسلتُ يدي سريعاً، وخرجتُ إلى صالة الاستقبال بالأستديو، لأجده واقفاً مُمسكاً بِعصاهُ المعقوفةِ في يده اليمنى، ويرتدي جلباباً أبيضَ ناصعاً، وابتسامة أشدّ بياضاً من ذاك الجلباب، وعينان تطلّ منهما شقاوةٌ طفوليةٌ، ومرحٌ مشاكسٌ، وبيده الأخرى كان يتأكَّد من أن عمامته البيضاء في مكانها الطبيعي.
    - هكذا -
    كأنه خارجٌ للتوّ من برنامجه الشهير "صُور شعبية"، وجدتُ الأستاذ الطيب محمد الطيب يقف أمامي باسماً، مثل نبيٍّ يَوَدُّ أن يُبلغ رسالةً إلى ضَالٍّ شَريد، ويمدّ يده لمصافحتي باسْمِي، وأنا أردِّد كلمات الترحيب الدائرية بارتباكٍ ظاهر. كان ذهني مشغولاً بأنني لا أعرف الرجل معرفةً شخصيةً، ولم ألتقِ به من قبل أبداً في حياتي!!، ولم أرَه من قبل إلا على شاشة التلفزيون؛ حيث يستطيع أن يخلب ألبابَ كلّ مشاهديه المتحلِّقين حول التلفاز لمشاهدة برنامجه الشهير "صُور شعبية"، ويناديني باسْمِي كأني صديقٌ حميمٌ له.
    لم تَطُل حيرتي حين سمعتُ من خلفه ضحكاتٍ مكتومةً تحوَّلت إلى قهقهة صاخبة، تبينتُ صاحبَها قبل أن أراه، وهو صديقي محمد أحمد الفيلابي، الذي انفجر بضحكته، تلك التي تشبه صوت مغنِّي أوبرا من فصيلة التينور، وهو يؤدِّي إحدى النوتات العالية للحظة عشقيّة، وتعانقنا، وقال من غير أن يضيف لقب الأستاذ:
    - طبعاً دا الطيب محمد الطيب ما محتاج لتعريف!، على فكرة هو مؤلِّف ومُخرج ومُمثل هذا الموقف الدرامي الذي مثَّله أمامك قبل قليل، عشان تعرف إنو عندو مواهب تانية داسِّيها من الشعب السوداني.
    ضحكنا، وقال الأستاذ الطيب محمد الطيب:
    - ونِحْنا ماشِّين للدِّنْدِر قبل يومين، مَعَانا مجموعة من الشباب من الجمعية السودانية لحماية البيئة، ومِن ما وصلنا الكاملين لسانهم ما وقف من سِيرتك، وكانوا دايرين يغْشُوك، حتى ولو لي خمس دقائق، لكن أنا حسمتهم ليك، قلت ليهم الزّول البتتكلَّموا عنو دا خمس دقائق ما بتَمْرُقكم منو ونحنا أصلاً متأخِّرين أكثر من ساعة. آها.. ونحنا جنب "ود الفادني" راجعين، أخوك دا "ووضع يده بحنُوّ على كتف الفيلابي" بدا يترجم زي الدرويش، وأنا ما فارِز من كلامو غير عفيف.. الحصاحيصا.. عفيف.. الحصاحيصا. آها.. قلت النَّشوف عفيف الجن دا للزمان البِيعرفوه الناس البَعرفهم كلهم وأنا ما بعرفوا. وبعدين بيني بينك أنا عارف إنو الحصاحيصا دي فيها "فُولا" سمحة ما تتفوَّت، آها ..قلنا نَجِي نغشاك ونفطر معاك، آها.. قصَّرنا معاك.
    - ممكن نجيب سمك، وحاجات تانية مع الفول.
    - فول بس ما مكسور، وعليهو زيت سمسم وشَمار وتوم وحبة جبنة، وكان في بصلة وزيت سمسم إضافي من الدكان يكون كتَّر خيرك.
    - جداً.. في سمن بلدي في الدكان القريب دا!.
    - سمن.. سمن خلي الكولسترول الـ"......" أم أهلنا ذاتو.
    جلس الأستاذ الطيب محمد الطيب على الكرسي المقابل لباب الأستديو، وصديقي محمد أحمد الفيلابي بصخبه المعهود وعشقه اللامحدود لخلق لحظات مفرحة غارقة في الحنين ويسألني عن الأصدقاء المشتركين، وينقل إليّ أخبار بعضهم أيضاً، ونحن نتسامر عن حكاياتنا مع صديقنا المشترك أيوب مصطفى وأخباره في البلاد البعيدة "التي تموت من البرد حيتانها"، لاحظتُ مشهداً تكرَّر أكثر من مرة؛ وهو أن العابرين من أمام الأستديو كانوا بعد أن يعبروا البابَ قليلاً يعودون بخطواتٍ بطيئة تُشبه رقصة مشية مايكل جاكسون على القمر ليتحقَّقوا مما رأته أعينهم، هل هو حقاً الأستاذ الطيب محمد الطيب أم شُبّه لهم؟!
    نظرتُ إلى الأستاذ الطيب محمد الطيب، كأنه قرأ ما يدور في ذهني وقال:
    - أقيفْ بَطَيِّرُم ليك هسَّع!
    قال ذلك وخلع عمامته الكبيرة ووضعها بين ركبتيه، فبانت تلك الصلعة التي زادته وقاراً على وقار. وانقطع سيل الراجعين القهقهرى لرؤية صاحب الصور الشعبية.
    - آها.. إنت من وين يا عفيف؟.
    - أنا اتولدْتَ في الحصاحيصا.
    - أقصد عَقابك، أُمك أبوك وجدودك؟.
    - أمّي اتولدَتْ في الحصاحيصا برضو، لكن أبوي اتولد في شرق الله البارد.
    - وين في شرق الله؟.
    - شرق تمبول، ود أب شام.
    فرفع يديه وسبابته تماماً مثلما تفعل جدتي، وصار يطوِّحهما مرةً ذات اليمين ومرةً ذات اليسار ويردِّد:
    - يا أب شام.. ورا وقدّام.. يا أب شام.. ورا وقدّام، تعرف ود أب شام دي إنْدَايَتها كانت ملتقي لكثير من الحكايات العظيمة في تاريخ البُطَانة، وعندها مكانة خاصة عند أهلك الهَمْبَاتَة.
    - هل زُرت ود أب شام من قبل؟.
    فجأة انسحبت ابتسامته المتسامحة، واكتسَت كلّ ملامح وجهه بحزنِ مَن تلقَّى خبراً فاجعاً، وطاف دمعٌ شفيف بعينيه، وصار ينظر بعيداً كأنه يرى مشاهد موجعة تمرّ أمامه وقال:
    - تعرف آخر مرّة زُرتها من زمن بعيد جداً، أظنّك الزمن داك كنتَ لسَّه حايم بلباسك وبتلعب بالتَّرْتَار. ذهبت إليها مع الفنان الشعبي قسم السيد أدُفِريني عندما كنت أحقِّق كتاب "الإندَايَة"، ولولاه لما تمّ هذا الكتاب. تعرف قسم السيد دا فنان فريد عصرو، ما لقي البيأرِّخ لحياتو وفنو، كان هو دليلي الموثوق لكل الأنادِي بالجزيرة. تلك رحلة لا توصف، ولا يجود الزمان بمثلها، مع تلك الرفقة الممتعة والملهمة لقسم السيد أدُفِريني. قسَماً عظَماً داك كان طرب فريد من نوعو، ونشوة لا تضاهيها أي نشوة أخرى، لا أحد يعرفني في كل تلك الأماكن، لكن كلهم كانوا يعرفون قسم السيد أدُفِريني وأغنياته ويحتفون بوصوله بشكل خاص بنحر الخرفان والعتان، يضيفونه ببِكري المشروبات الزاهية، يكرِّمونني مثله تماماً، ولا أحد يطالبه بأن يدفع مليماً واحداً، ذاك المغنِّي الفذّ لا يجود الزمان بمثله مرتين، وكان يؤلِّف الألحان والأغنيات في الحماسة والعشق، والفروسية، والمناحات، والحكايات الشعبية الخالدة وحكايات أسفل المدينة عفو الخاطر وكما البرق تتوارد إليه المعاني والأنغام كأنّ هناك مَن يُمليها عليه من مكان ما. وأيضاً يحفظ الدُّوْبِيت والأغنيات القديمة والجديدة والحكايات الشعبية الأسطورية ويرويها. دا كلُّو كُوم، وعزفو على الدلُّوكة كوم تاني، دا بسوِّي بيها البِدَع عديل كدا!. للأسف لقد ضاعت أغلب أغنياته، دي الحقيقة المفجعة، هو أحد الذين ساهموا بشكل واضح في المحافظة على الكتير من أغنيات التراث. هدر ساكت راحت معظم أغانياته الخاصة الما بتُعَوَّض أبداً!.
    من أطراف الذاكرة تشكَّلَت في ذهني تلك الصورة البعيدة، لرجلٍ تُميِّزه سُمرته اللامعة، وقامته الفارعة، وجسده المُمتلئ، ووجهه البشوش الذي تضحك معه شلوخه الثلاثة. تذكرتُ ظهوره المتباعد في الحيّ، كنتُ أراه أحياناً عائداً بعد نهاية يوم عمل شاقّ في محالج الحصاحيصا مع جدي عبد الله خير السيد، والعم إبراهيم هنداوي أو نائماً بعمق في ديوان الجدّ آدم محمد آدم "ود آدم". كنا نتحلَّق حوله لنرى الرجل الذي ينام مبتسماً.
    تذكرتُ عندما كنتُ في السابعة من العمر، كنتُ مُغرماً بسماع أصوات الآلات الإيقاعية التي يجود بها ليل الحصاحيصا القديم في تنوُّعه الفريد كسودان مصغَّر، لكن أكثر الإيقاعات التي كانت تشدُّني تلك التي تُعزف أحياناً بعد منتصف النهار وتحملها الرياح إليَّ من إنداية "نَسمّا"، أو من "ربع الخراب" أو من أعراس المدينة، وأحياناً أسمع ذات الإيقاعات عندما أزور جدي في الحلة الجديدة آتية من ضفة النيل الأزرق، حيث يقبع منفرداً ذاك المكان الذي يُسمَّى " الجَوْ" الذي حذَّرَني جدي من الاقتراب منه لاصطياد الأسماك أو السباحة أو لأيّ سبب كان، وأن لا أقترب من هذا المكان عند زيارة مزار سيدي الحسن مع جدتي الذي لا يبعد عن "الجو" كثيراً، وكانت تشدّني إلى ذاك المسيد رائحة البخور النديّة التي يعبق بها المكان في كل الأوقات، وكراماته التي تتجلّى لي دائماً في العُملات المعدنية الكثيرة المدفونة تحت الرمال، برغم حرارة دعاء جدتي الصادق للحسن السابق قولة "يا"، إلا إنها تعود خاوية اليدين، وأعود بثروة صغيرة تكفي لحقّ التسالي والفول والسِّمسمية، وقد تفيض لشراء ضَرَّاب نياش مجرَّب من البلِّي من أصدقاء شلة اللعب بابكر عبد الرازق أو دبوا أو عصام البابا لم أستطع أن أفوز به من خلال الرهان. كانت تَعَرِيفَات سيدي الحسن كافية لإتمام الصفقة بلا جدال طويل، وتلك كرامة أخرى لا تعرفها جدتي.
    وكنتُ أُلاحظ عندما يجيء بوليس السَّوَاري مُمتطياً حصانه و يصفِّر تلك الصافرة المزعجة التي يفوح منها أمرٌ صارمٌ وعنجهيةٌ أكثر من صافرة حُكام كرة القدم وتمتدّ لمدة أطول حتى يسمعها كلّ سكان المدينة الصغيرة في ذاك الأوان، ما إن تنتهي تلك الصافرة المزعجة، حتى تتوقَّف كل تلك الإيقاعات الطروبة الآتية من ناحية "الجَوْ"، ومنذ ذاك الزمان ارتبط عندي أن ظهور العساكر يعني نهاية الأشياء الممتعة والجميلة. ووجدتُ تفسيراً مُقنعاً لمعنى جُملة "هادم اللذّات" الغميسة.
    كنت أزور بيت جدي كل يوم جمعة للاستماع عن قرب إلى تلك الإيقاعات النادرة، كنتُ أميّز اختلاف عازفيها، وكانت تستبدّ بي النشوة حين استمع إلى ذاك العازف بإيقاعاته الطروبة، وهو يعزف إيقاعَي السِّيرة والتُّمْ تُم الخفيف، وما إن يبدأ حتى تتعالَى معه تأوُّهات المتحلِّقين حوله الحارَّة، كأنهم على مرمى جدار مني، وتبدا العرضة الما خمج التي أسمع دبكة أرجلها المتناغمة مع تلك الصيحات الحماسية هع هيع.. هع هيع ، وكان ذاك يَحدث أحياناً في نهارات "إنْدَايَة نَسمّا"، التي لا تبعد كثيراً عن الحي الأوسط الذى نسكنه بوسط المدينة، حيث كانت تحتلّ ذاك الخلاء الواسع، بعد سينما الحصاحيصا وبين الحلة الجديدة، ومساكن عُمال كمبو المحالج. كانت "إنداية نَسمّا" تقف وحدها مثل دير مقدّس في ذاك الخلاء.
    ذاتَ نهارٍ في نهايات الخريف، وصَهْد الدَّرَت يفرض سكونه علي حركة كل الكائينات الحية، عُدتُ من المدرسة في عامي الأول بها، ففتحتُ باب السُّنُط بصريره المميّز، الذي نبَّهَ أمي لحضوري، أتاني صوتها من خلف التُّكُل محمَّلاً برائحة دخان العُوَاسَة الخانق، وعبق الفِيْتَرِيْيَة المخمَّر الذي تَصنع منه كِسْرَتها، وهي تُنبِّهني بأن أطبِّق ملابس المدرسة جيداً، وأن أضع شنطة الكتب في مكانها. بلامبالاةٍ رميتُ بشنطة الدَّمُّوريَّة بكرَّاساتها القليلة من كتفي على الأرض، وخلعتُ القميص والرّداء المدرسي ورميتُهما على عنقريب خالٍ من اللِّحَاف، وتخلَّصتُ من "الشّدّة البيضاء" كلّ فَرْدَة في مكان، وسرتُ إلى المَزْيَرَة التي تتوسَّط الحُوش الواسع بأزْيَارها الثلاثة، كان لي كوبٌ خاصٌّ أضَعُه تحت الزِّير الصغير في كلّ الأوقات ليتجمَّع فيه ماء النُّقَّاع البارد، ويا ويل مَن يسطو على ذاك الكوب.
    كان ذهني يُعاظل كيفية صناعة أفضل الفخاخ للطيور التي تأتي فقط مع نهايات فصل الخريف، فجأة سمعتُ تلك الإيقاعات الطروبة "تُمْ تُمْ" خفيف به مسحة إثيوبية، كأنها قادمة من بيت الجيران، فخرجتُ مُسرعاً كي أدرك مكانها، تعالَى مرةً أخرى صرير باب السُّنط، سبقتُ صوت أمي قبل أن يسأل عن مَن القادم، وقلتُ لها بصوت عالٍ مليء بالهمّة:
    - بَقْفِل في الباب من الغَنَم.
    ونلتُ تقريظة لم أتبيَّن كل كلماتها سمعتُ فقط خواتمها:
    - إنتَ تتبارك يابا.

  5. #5
    رفاعي مُتميز الصورة الرمزية محمد فتحي
    تاريخ التسجيل
    Jun 2010
    المشاركات
    1,411
    معدل تقييم المستوى
    12

    افتراضي

    وخرجتُ لم أنتبه إلى ذلك السّروال القصير الذي كنتُ أرتديه، ولا إلى تلك الفنيلة بلا أكمام، ولا إلى رجليّ الحافيتين، تلفتُّ يميناً ويساراً، كان الشارع خالياً تماماَ من المارّة، إلا من عثمان طه يجلس في بَرَندة دكانه. بوصلة الإيقاعات كانت تشدّني آتيةً من شمال المدينة؛ حيث "إنْدَايَة نَسمّا". كانت لقوة الإيقاعات وحماسها وآهات المتحلِّقين حولها مغنطيسيّتها الخاصة التي جعلتني لا أفكِّر بغيرها، لم تترك مجالاً لكلّ التحذيرات من الاقتراب من ذلك المكان. كانت المعضلة كيف سأعبر عثمان طه الجالس في برندة دكانه من غير أن يسألني وجهتي، وكان هو قد وَجد مَهامّ للجريدة التي انتهى من قراءتها، وصار يهشّ بها الذباب، ويحرِّك بها الهواء قليلاً، بعد أن توقفت مروحة سقف دكانه وصارت مثل أذرُع عملاقة لكائن خرافي، أخذتُ حَجراً صغيراً، وضممتُ يدي علية بقوة، كأنني أخشي على عملة معدنية من السقوط، ومررتُ قربه، ولوَّحت له بيدي المضمومة، بخطوات واثقة كأنني ذاهبٌ إلى دكان عم مالك جهينة الغسَّال الذي يليه:
    - أزيّك يا عم عثمان.
    - أهلاً وسهلاً يا ولدي.
    عبرتُ مُسرعاً دكان مالك جهينة، ومهرولاً عبرت زقاق اللذة، ثم سينما الحصاحيصا لصاحبها علي دنقلا، وكان التُّمْ تُم الراقص يحتلّ كلّ مسام الفضاء والخلاء الواسع بين السينما وإنْدَاية "نسما" إنطلقت مثل إعصار، تجذبني تلك الإيقاعات الحارّة، ووقفتُ عند باب السُّنُط الموارب الذي يسمح بدخول شخص واحد، ألصقتُ عيني بأحد الشقوق العديدة بالباب، ورأيتُ ذاك العازف يدقُّ دَلُّوكة شكلها غريب جداً، مزيّنة حوافها بزخارف عديدة، وفخارها يبدو لامعاً، وأصابع العازف الرشيقة تمسّها مَساً ساحراً، جعل تلك الدائرة المتحلِّقة حوله تذوب في نشوة الطرب، ويُخرجون تلك الأصوات المُلتاعة، وهناك من يجعر مثل مثكول، ويعانق عازف الإيقاع حتى كاد أن يشغله عن عزفه، وعندما تخلَّص المغنِّي من هذا المعجَب المتيَّم رفَع رأسه، وأدار وجهه، فرأيتُ تلك الشلوخ النائرة تبتسم تحت ضوء الظهيرة، فتعرَّفت على صاحبها، وسط دهشتي، بأنه هو عم قسم السيد أدُفِريني الواحد دا البعرفو، الذي لم أعرفه مغنّياً مِن قبل، هو ملك كل لحظات الطرب والنشوة التي كانت تتسرَّب إليّ من بعيد، وشغلتني كثيراً أزماناً طويلة إيقاعاته الملتهبة، وسرَّبت لي متعة خالصة، ثم رفع المغنّي قسم السيد أدُفِريني وجهه إلى أعلى وصار يشدو بصوتٍ كأنه استلفه من مزمار رعويّ، وازداد الهياج، وتعالى التصفيق، استبدَّت النشوة به، فصار يعزف الدَّلُّوكَة بكُوعه الأيمن تارةً، وبكوعه الأيسر تارةً، ومرّات بجبهته، وأحياناً بأسفل الحَنَك من غير أن يختلّ الإيقاع "التُّمْ تُم" الراقص، وكانت تلك أعلى ذروات المشهد، حين صار صوت الجميع يردِّد مفردة واحدة وهي "وُووب.. وُووب.. وُووب" بتنغيم به كثيرٌ من الأوجاع وكثيرٌ من الطرب. وصرتُ أردِّد معهم: "وُووب.. وُووب..وُووب".
    كانت روائح عديدة تطوف بأنفي بتنوُّعها، أكثرها وضوحاً رائحة المُشُك الثاقبة، وروث البهائم، وصُنَان البول الخانق يستعرُ مع زنقة نصّ النهار، ورائحة نارية لشطة قبانيت ودمعة ضان في آخر مراحل نضوجها وقدحة توم آتية من جهة الكمبو وبخور لطيف لا أدري كيف تسرَّب إلى أنفي وسط كل هذا العطن، فجأة أتت رائحة شواء مستبدّة احتلّت اللحظة، كان هناك في طرف الرَّاكُوبة أحدهم يرتدي عَرَّاقي قصير جداً، ويهزّ ردفيه برقصٍ بديعٍ متناغم مع التُّمْ تُم، وهو يرمي باللحم في كانون كبير ملتهب الجمرات، ويردِّد: "وُووب..وُووب.."، وقربه امرأة في منتصف عمرها وسيمة الملامح مشرقة الإبتسامة تساعده وهي وتعد سلطة خظروات قوامها البصل الأخضر والطماطم والتبش، وعلي صحن آخر أم فتفت ومراره يتلامع فشفاشها مثل كنز من المجوهرات تحت الشمس، وعلي صحن طلس مطرقع الأطراف كمية كبيرة من البصل الكسلاوي متبل بالشطة والليمون.
    ظننتُ أنني رأيت شبحاً يخرج من الباب، ولم أكترث لذلك كثيراً، وظللتُ أردد: "وُووب.. وُووب.. وُووب"، فجأة انتبهتُ إلى صوت نشاز يأتي من خريرٍ غليظٍ قربي، فالتفتُّ لأجد عينَي عمي "......" يتطاير منها الشّرر وهو ينظر إليّ صارخاً:
    - الشريف.. الجابك هنا شنو؟، الليلة الله قال بقولك،
    "الشريف" هو الاسم الذي يناديني به جدّي عبد الله خير السيد و كل كبار العائلة.
    تسمَّرَت خطواتي، أصابني شلل مباغت. كانت المدّة التي أفرَغ فيها مثانته كفيلة بأن أهرب من أمامه وأختبئ في آخر مكان في الدنيا، هل شرب برميلاً كاملاً من المَرِيسة؟، أشفقت على الحائط الطيني من الانهيار، وظننتُ أنه سوف يظل يبول بلا توقف حتى غروب الشمس أو تتعطل مثانته عن هذا الضخ المتواصل، تسمَّرَت خطواتي، شلل مباغت أصابَ كل مفاصلي، نظرات عمي النارية تثقب وجهي، وخريره الشلالي يقيّد خطواتي ويثقل بدني مثل كابوس، "وُووب.. وُووب" صارت بعيدة، كأنها آتية من جوف بئر، معها نقرات قسم السيد أدُفِريني الطروبة. أفقتُ على صفعةٍ تنهال على خدّي الأيمن، وتطرحني أرضاً، ويدٌ تشدّني من أذني وتنهال بسيلٍ من التوبيخ الثقيل، ظننتُ المسافة التي قطعتُها قبل قليل في خمس دقائق، من بيتنا إلى إنْدَاية "نَسمّا" صارت أطول من مليون ميل. لا أدري كم من الصفعات نلتُ في ذاك اليوم في بيتنا العامر بالأسرة الممتدّة، حتى الجيران الذين سمعوا بالحكاية لم أسلَم من لدغات ألسنتهم، وسياط أشجار النيم النارية وسيور المحافظ الجلدية، وتلسعني تلك القرصات ذات اللدغات الحارقة في منتصف الظهر التي لا مجال لحَكّها التي خصَّصتها لي الخالات والعمّات والجارات بغير رأفة مشفوعة بـ: "أحَّيْييييييييييييييي" الممطوطة التي تكاد أن تنزع قطعة من جلدي معها.
    ضمّتني جارتنا الطيّبة مريم طويل إلى حضنها، وصاحت بالنساء بصوتها الصارم:
    - خلاص كفاية، الولد دا كملتَن لحمو، أصلو هو عمل شنو؟
    نبَتَ لي لسانٌ بعد أن وجدتُ الحماية والحصانة الكاملة وأفضل شروط اللجوء الأُسَري الذي وفّرته لي الخالة مريم طويل:
    - أصلو أنا عملتَ شنو عشان كلّكم تدقّوني كدا؟! حقّو تدقّوا عمّي كمان لأنو كان جوه الإنداية!، هسَّع وينو؟! هو بكون رجع تاني هناك.
    - أسكت، سَكَتْ حِسَّك.
    - كمان ببول الشارع!.
    - أجِيْ يا بنات أمي!.
    - وبجي البيت كل يوم بالليل سكران.
    - هو ما راجل كبير.
    - يعني لما أكبر ممكن أمشي إنْدَاية "نَسما" أو "الجَو" أو "ربع الخراب" وأسمع قسم السيد أدفريني؟!.
    ضمتني مريم طويل إليها أكثر تحميني من يد ممتدة بأظافرها الطويلة متاهبة لقرصة نارية، وهي تضحك قالت:
    - حليل أبوى داك، يا أخوانا دي مصيبة شنو الليلة دي! يبخروا فيها وهي تظرط!
    - يعني لما أكبر ممكن أسكر زي عمي في الإنداية؟ وامشي بيوت الزقاق زي الناس الكبار؟
    - يا ولد أسكت ولا هسَّع بقوم عليك تاني.
    الذي خفَّف من وليمة التعذيب الأُسَري تلك النشوة التي تطوف ببالي عندما أتذكَّر قسم السيد أدُفِريني ، وهو يتقوَّس مثل راهبٍ على آلته الإيقاعية، ويعزف ألحاناً كأنّها آتية من فضاءٍ خارجيّ، وتجعل كلّ من حوله يذووب ويردد: "وُوووب.. وُوووب.. وُووب". أو يطير في الجو بصقرية حماسية تكاد عصاها الثملة أن تثقب السماء.
    لذلك عندما قال الأستاذ الطيب محمد الطيب بأن الطرب الذي أطربه له الفنان الشعبي قسم السيد أدُفِريني طرب فريد من نوعه لا تضاهيه أية نشوة أو أي غناء آخر، تأكَّدتُ أننا سبحنا معاً أكثر من مرّة في نهر الفنان قسم السيد أدُفِريني حتى ثمالة الأغنيات التي تعشعش بالذاكرة والروح مثل أطياف وريفةٍ لا تستطيع الإمساك بها أو الفكاك منها.
    عندما رحل قسم السيد أدُفِريني إلى الضفة الأخرى، جاء الأستاذ الطيب محمد الطيب يرافقه وزير الثقافة والإعلام لحكومة نميري [1969-1985م] عمر الحاج موسى ورهط من موظّفي الوزارة لتقديم واجب العزاء، وتحدَّث وزير الإعلام عن خُسران السودان مكتبة زاخرة بكل معارف الثقافة الشعبية السودانية.
    غاب الفنان قسم السيد أدُفِريني ، الذي عاش غريباً مثل نبيٍّ منبوذ يمضغ غربته الوجودية وسط حشود لم ترى منه إلا لمعان خاطف لكنه مؤمنٌ بعظمة رسالته الفنية التي تعالج غرباته العصية، برغم أن المدينة تهمله وتلعنه جهراً، وتحبه سراً عندما يسمعونه يغنّي في بيوتات أسفل المدينة يذوبون من فرط الطرب في أعراسهم وأفراحهم عندما ينسجم مع دلوكتة لدرجة أن يثقب جلدها التخين يتصائحون بفرح:
    - قدِها يا أدفريني.. قدِها يا أدفريني..
    يتواطؤون جميعاً بنسيانه من ذاكرة المدينة، إلا مَن الذين سبحوا حتى ولو لمرة واحدة في محيط هديل أغنياته.

  6. #6
    رفاعي مُتميز الصورة الرمزية محمد فتحي
    تاريخ التسجيل
    Jun 2010
    المشاركات
    1,411
    معدل تقييم المستوى
    12

    افتراضي

    وداعا ..زوربا السوداني(2-2)

    عم علي.. أو علي الفك.. أو ابوحميد أو زوربا السوداني كما اتفقنا ان نسميه نحن شلة اصدقاءه عبد العزيز عبد الرحمن و نور الدين عبد الباقي، كائنا استثنائيا في أزمان العادية والتشابه، اصابه قلق الوجود باكراً فانتعل روحه الغجرية وطموحه الزورباوي وتنقل بين المدن والمهن في الكثير من مدن وقري أكبر قطر في افريقيا الذي كان من قبل هبوط الطفابيع بأرضة مليون ميلا مربعا، تجد عم علي أو زروبا السوداني بهذه المدينة حائكا افرنجيا، وبأخري مصورا فوتوغرافيا بارعا، وبتلك القرية مزارعا يعرف اسرار الأرض ويعشقها وتبادله عشقها بمحاصيل وفيرة، لكن أغلب الظن ان مهنة الأولي والآخيرة هي التأمل في شأن الخليقة والمخلوقات علي هذا الكوكب وما جاوره، و بحثه الحياتي الاهث عن ايجاد صيغية توافق توازان تحترم حقوق هذا الجمع المتنافر من الكائنات علي هذه الأرض، اوصله بحثه في محطاته الباكره إلي دوحة ورافة الظلال وجنية الثمار كما يسميها، وهي الجبهة المعادية للاستعمار، فوجده فيها ضالته في التفكير الحر لمارق مثله من ملة القطيع، والقبيلة التي حاولت ان ترسم له خطوط روحه العصية علي التدجين والركود للاستسهال وارضاء الذات. فنهل من الجبهة المعادية للاستعمار زاد عمره الفكرى ثم انطلق بروحه الزورباوية لا يلوى إلا علي تحدى آفاق الانطلاق بالخروج عن المأولوف والسائد، وادمن التجوال كي يهدهد ظمأ روحه الغريبة.
    أبو حميد في قطار نيالا:
    عم علي تجده دائما يعاظل اكثر من فكرة في وقت واحد مما اكسبه شروداً مؤقوتاً، ونسيان لما حوله ولما درج الناس الانتباه له والتركيز حوله، وتوقد وحضور في اغلب الاحيان، وانت تجالسه لا تدري احيانا هل يخاطبك أم يتحاور مع اقراناً له غير مرئيين من سكان المستقبل والكواكب الأخري او تلك الارواح العابر التي تشاكسه وتسامره وتجئ إليه بأفكار لا يستطيع غيره التعبير عنها جهراً أو تنفيذها في مجتمع يضع كل فرد فيه دائم تحت عدسة المجهر.
    كانت وسيلة التنقل الناجعة بين المدن في ذاك الزمان مخلفات الانجليز النافعة، وتلك السكك الحديد وسفر بيوتها الذي قرب المسافات، ذات حلم زورباوي طاف بخيال عم امتطي قطارا، فارا من ملل اصاب روحه من الخرطوم وما حولها واهتدى بنبوءات بوصلته الغجرية التي حددت له أحد مدن غرب السودان كمرسي، كالعادة بعد اقل من نصف ساعة من تحرك القطار تعالت القهقهات من "القٌمرة" التي اتخذها مسكنه المؤقت لحين وصول، وصار يجذب سكان "القَمرات" المجاورة بقفشاته وطرافته وهو منهمك في لعب الكونكان مع زميل له من ابناء الابيض اسمه ايضا "علي" تعرف عليه في القطار اثناء بحثه عن زميل له حريف في لعبة كونكان14، وصارا ملكا الملعب لساعات طويلة بدون هزيمة، وكعادة عم وذهنه الذي يعاظل اكثر من فكرة واحده في نفس الوقت،كان يلعب بنصف ذهنه وبالنصف الآخر يفكر في البوادي الخصبة التي يمر بها القطار وخالية حتي من الجن نفسه لكنها تصلح للزراعة، وصار يخطط مشاريع زراعية في ذهنه، ويلعب الورق بآلية، ينادونه احيانا عندما يتاخر في اللعب:
    - ما تلعب يا علي ياخ!! جُر واجدع البايظ سريع دي كوتشينة ما شطرنج!!
    كي يبرر تأخيره في اللعب قال لهم:
    - يا جماعه انا عندي اقتراح، انتو لمن تنادوا "علي" انا فاكركم بتقصدوا علي زميلي ما انا، عشان نفرق بينو وبيني، وما اتاخر ليكم في اللعب، اذا سهيت او سرحتا قولوا لي العب يا ابو حميد،أبو حميد دا لقبي من الطفولة، وتكون كدا مشكلة التاخير اتحلت.
    وامتد اللعب لساعات وصار لقب ابوحميد هو سيد تلك الحظات، وتميمة حظ جديدة وخاصة بعد هزيمة اي من اللاعبين وهو يجر "خمسين" بصوت راعد، عندما يصيح عم علي باعلي صوته:
    -انا الشافو خلو،انا التسخو الـ الله مسخو ،الدخل البحر ومرق بوسخو، انا علي ابوحميد ود ابوحميد، يالله ادونا غبار "....." تتعالى الضحكات اعلي من هدير القطار،
    - يا جماعه سريع خلو غيركم يجي يتغلب،اللية جاكم بلا، انتو عارفين لمن تفتح صندوق الكوتشية مش بتلقو فيها جواكر زائده، آهه.. أنا واحد من الجواكر دي زااتا، يعني جاي مع الصندوق، والله الليله حنة عرسي بس اي زول ندبل ليه غلبو، ندبل ليهو وكان دائر مثني وثلات ورباع كمان عندنا. تتعالى الضحكات زاد تلك الرحلة التي يسكتها توقف القطار المفاجئ لعطل ما، وظن الجميع بان عم علي عندما سار مبتعدا في ذاك الخلاء البهيم انه ذهب ليقضي احد حوائجه، لكنه كان يسير بغير هدي خلف اقرانه غير المرئيين الذين كان يجادلهم عن افضل مكان لبيارة دائمة للمياه في هذا السهل الممتد كي يصير أخضر طيلة العام، فجاءة انتشلته اصوات كانها آتية من عصور أخري تنادية:
    - يا علي.. يا علي اسرع القطار اتحرك، ويركض حافيا كي يلحق به، ويجد علي سلم الباب "علي" الآخر زميله في اللعب كونكان 14 لنصف يوم باسطا يده من سلم القطار كي يساعده علي الركوب، يشكره بحرارة، وكان "عم علي" قد نسي تماما من هو "علي" الآخر وهو ما زال يعالج افكار في كيفية تخضير هذا السهل الممنبسط الذي فقط يحتاج إلي ماء متدفق كي ينتج ما يكفي ملايين الناس.
    - ما بينا يا "علي" تشكرني علي شنو نحنا ما زملاء واخوان..
    - الأخ من وين في الأهل؟
    - يا أبو حميد انتا نسيتني ولا شنو؟!
    هنا..
    فكر عم علي سريعا ما دام هذا الرجل الغريب الذي امامه يناديه بلقب ابو حميد هذا يعني انه من اصدقاء الطفولة،أو من اقاربه المتفرقين في كل البلاد وافضل طريقة كي يتخلص من هذا المأزق ان يعطي اجابة مموهة فقال له
    - كيف ما عرفتك، عشان عملت ليك جلحات وشنب زي الساعه تلاته وربع
    - انتا صحي صحي نسيتني ،يا علي بتبالغ لكن.......
    - ابالغ شنو يا اخ ، هو زمن نصاح من آخر مره اتلقينا فيها،زمن ياخ، عُمر، عُمر ناس، زمن!!
    وطارت بتلك الواقعة قطارات البلاد وصار تروي بشخوص مختلفة واصلها هو عم علي أبوحميد، علي الفك،أو زوربا السوداني.

    علي بطيخ لقب لم يدم أكثر من ليلة واحدة:

    ذات مساء خريفي كنت اجلس برفقة محمد فتحي المصري" حماده" ونور الدين عبد الباقي في حضرة عم "علي " نتسامر عن القابه الكثيرة التي يُعرف بها، قال عم علي بمناسبة هذا الدعاش هناك لقب لم يدم سوى ليلة واحدة، وهو علي بطيخ، لأنني في الليلة التي نلته هربت قبل الفجر من الحى.
    - كنت في العشرين من عمر أو اكثر بقليل، عندما تزوج احد اقربائنا الاثرياء زوجة الثالثة، وكانت العروس في عمر اصغر من بناته، لم تطق زوجته الأولي والثانية ان تشاركهم هذه القادمة بعنفوان الشباب مملكتهما المشتركة، درءاً للفتنة اختار الحاج ان يسكنها في بيته القديم الذي يلاصقنا، وكنا نحن شباب الحي نعرف مجئية المتباعد من رائحة الصندل الذي ينطلق كسحابة لطيفة ليعطر كل الحي، ذات خريف،من ذلك النوع الذي يفاجئ السكان والمسؤلين معا، خرجت بعد توقف الامطار لتفقد خسائر بيتنا، بينما احفر جداول لتصريف المياه اطلت الجارة العروس من فوق السور وقالت:
    - يا ابو علوة ، زي ما انتا عارف انا الله ورقبتي،عايزاك تساعدني المويه قربت تغرق بيتنا.
    عبرت إلي بيتها في الحال تسبقني همة الجار وقت الشدة، ووجد بيتها غارقا تماما في بركة مياه، برغم خبرتي الطويلة في تصريف المياه في التصليح والهدم احيانا، ظلت اعمل لمدة نصف ساعة حتي عادت باحة المنزل بدون مياه، وفي تلك الاثناء شممت رائحة الصندل تعبق اكثر من دعاش اول مطره في الخريف، فادركت بأن الحاج سوف يزور حينا هذه الليلة، وقلت في سري الناس في شنو والحسانية في شنو، المهم يا زول خلصت تصريف المياه وناديتها من وراء الستار الذي يفصلني عن حفرة نطعها، واخبرتها بإكمال المهمة علي الوجه الأكمل ، وعليها ان تنبه الحاج عندما ياتي ان يسير في الطوب الذي رصفته من مدخل المنزل حتي الغرفة.
    - الرسووووول يا أبوعلوة خليني اكمل دخاني دا، واعمل ليك كباية شاي
    - مره تانية انا ماشي اصلح صبابة الديوان بتاعنا، التقول مركبة بالقلابا ما كبت ولا نقطة برا.
    وانا اخطو نحو باب الخروج سمعت صرختها المدوية
    - سجمي عقرب.. عقرب،
    فركضت مسرعة كي انقذها من سموم تلك العقرب،فرأيت ما لا يجوز لي ان اراه، سالتها بارتباك اين العقرب، اشارت اي كومة من انصاف الطوب الأحمر قربها، ونبشتها واحدة واحدة وانا اغالب دوار الصندل، واحاول ما امكن ان لاانظر تجاها، ولم اجد أثر للعقرب المزعوم، وهي مازالت علي عريها المعطر.
    - بتكوني اتخيلتها ساكت
    - سجمي يا أبوعلوة، انتا مبلول كلل، كدي خش جوه الاوده ديك في سروال وعراقي بتاعت الحاج نضاف البسهم، وامتثلت لذلك كي افر من امامها، وقبل ان اكمل ارتداء تلك الملابس وجدتها تقف خلف ظهري، بعريها المعطر،فقط في تلك اللحظة ادركت نواياها، وسالتني بصوت كسول:
    - يا ابو علوة الجو دا جو شنو؟
    طارت كل مفردات اللغة من رأسي، وانفاسها التي تلامس ظهري ، وانا اغالب دوار الصندل،قلت لها وانا افر بقميص زوجها قبل ان يقد من دبر
    - جو بطيخ
    صاحت خلفي غاضبة
    - بطيخ.. يا بطيخ.. بطيخ انتا.
    وفررت بسرى لأحد الثقاة من اصدقائي واخبرته غاضبا بما حدث، كان متعاطفا معي وقال
    - أنتا يا ابوحميد أخلاقك كويسه، وولد ناس، و حسنا فعلت، ما فعلته يشبهك تماما.. فذهبت من عنده رائق البال، فليس هناك شئيا في الوجود أجمل من صديقك صدوق يكتم سرك و يفهمك في كل الأوقات من غير ان تحتاج إلي شرح مطول. ووعدته ان نلتقي بعد قليل في جلسة المسامرة المسائيه لمجموعة شباب الحي.
    وذهبت لهم بعد ان تخلصت من قميص الحاج وخبوب وطين المطره ، ورائحة الصندل مازالت تحتل انفاسي، عندما ههممت بالجلوس قال احدهم الآخر وهو يتصنع الجدية والبراءة في صوته:
    - يا سلام يا اخي ما تقولي الجو دا جو فول، ولا جو اوربي، دا جو بطييييخ عديل كدا..
    - انتا البطيخ موسمو جاي ولا لسه؟
    - والله ما عارف لكن.. بالجد كدا انتا البطيخ دا بزعوا كيف؟عندو شجر، ولا بشتلوا ولا بقوم بروس ساكت، ولا عندو ساقين زي ناس معنا هنا؟
    - انتا البطيخ بجيبو من وين من الروصيرص ولا سنار، ولا وارد حينا هنا؟
    - شن عرفني انا، اسال علي بطيخ الجمبك دا.
    فتركت مجلسهم وتلاحقني صدي ضحكاتهم المتهكمة، فقررت في تلك اللحظة مغادرة الحي بغير رجعة.
    واكمل عم علي وهو يضحك ضحكته التي تنتهي بسعال خفيف وبحة في الصوت، وقد كان، في فجر اليوم التالي غادرت الحي لمدة عام كامل في شنطني هدوم الحاج كتذكار كمان.
    قاطعه نور الدين وهويتسال بخبث:
    - يعني يا عم علي عايز تقنعني انك ، وفوتا فرصة مدردقه زي دي عملت فيها إبن يعقوب ؟
    ضحكنا جميعا عدا عم علي الذي اكتست ملامحه بمزيج من الجدية والغضب وقال:
    - يا نور هووى .. ارع بقيدك، انتا عارف انا فالت من يومي، لكن في حدود ما بتجاوزا ، انتا قائل ناس الجبهة المعادية للاستعمار ديل زمان لمن كنتا معاهم بدرسونا بس عن التغيير والثورة،وماركس ولينين وعبد الظنبار، لا..لا..لا.. يا زول، اول حاجه علمونا ليها انو نحترم كل شئ الشعب السوداني بحترمو، الجار والقرابة، وبرش الصلاة، والعلاقات الاجتماعية، ومعتقدات الناس وكل القيم الايجابية في الحياة السودانية، وان تكون مثل ايجابي ايضا للناس التانين، وحاة اسامه ولدي أنا ما شفتا في حياتي أجمل من بت الناس ديك العروس جارتنا، لكن لو هسع دي بعد العمر دا كان مريت بنفس الموقف ح اقول ليها الجو جو بطيخ، انتا بتلعب ولا شنو.. نحنا الغنو لينا
    بالعدا معروف ما ببادر
    ما بخون الجار ماني غادر
    لو كان عم علي حيا بيننا اليوم وهو يقرأ علي صفحات نشرات حقوق الانسان عن اغتصاب نساء السودان ورجاله يتم كسلاح من اسلحة الحرب في دار فور وكردفان، و..و..و.. وفي بيوت الاشباح...أو حتي في مكاتب الدولة الاسلاموية في جمهوريتها الأولي والثانية علي مرمي ضفة من القصر الجمهوري، قطعا كان سيقول: من أين جاء هؤلاء عبدة الشيطان والفسق والرذيلة، الذين يقننون للسحل والحرق والتعذيب والاغتصاب، ويجرمون كل من يقول كلمة حق، او يعارض أو يفضح هذا الفعل المشين يقدمونه للمحاكمة بتهمة اشانة سمعة الجهاز.

    عم علي والاستنساخ:
    يتابع عم علي بنهم معرفي كل نشرات الانجازات العلمية الجديدة، خاصة في المجال التكنولوجيا الطبية، عندما تم استنساخ النعجة "دوللي" صار ذاك موضوعه المفضل و يتابع كل النشرات الخاصة بذلك ، تجد عنده موضوعات من مصادر مختلفة، وصار ذلك شغله الشاغل فهو على قناعة راسخة بان مستقبل البشرية معلقاً بإستنساخ النعجة الدوللي وما يليه من اكتشافات طبية، وكان يتحدث حديث العارف عن حضارات قديمة تخاطرت لها فكرت التحنيط لإيمانهم بالخلود و البعث وكحل لسؤال الفناء والديمومة.
    وكان يقول بأن الاستنساخ هو ثورة البشر ضد الموت.
    في تلك الأيام قرر الطبيب المتابع لصحته بالحصاحيصا بعد فحوصات كثيرة ، لا بد ان يجري له عملية البروستاتا، ففر عم علي بخوفه إلي الخرطوم يستشير طبيبا أخصائيا مشهورا آخر باهظ التكاليف، فكانت الإيجابة أن يجري العملية باسرع ما يكون.
    في غرفة العمليات كان ذهن عم علي شاردا يعاظل اقرانه من سكان المستقبل، عندما تحدث معه الطبيب قبل التخدير عن نسبة نجاح العميلة وسهولتها، وكان عم علي بالطبع قد درس كل الأحتمالات وصار علي معرفة تامة بأدق تفاصيل مرضه بكل مصطلحاته العلمية، وظل يتحدث عن النسب المسكوت عنها في فشل العملية والخسائر الجسيمة المترتبة عن ذلك حتي ظن الجراح بانه زميل له فسأله:
    - يا "علي" انتا دفعة يا تو سنه؟!
    لم يجب عم بذهنه المشغول باقرانه اللامرئيين.
    انشغل الجراح في حديث مع طبيب التخدير الذي كان جاهزا لأداء مهمته، فجاءة تسأل عم علي:
    - ما عندك طريقه تخديرك دا يخليني انوم لي زي خمسين ستين سنه كد؟؟
    - يا علي انتا خائف ولا شنو؟؟!
    - لا.. لا..لا..انا ما خائف بس بفكر انو اي صناعة في الدنيا دي عندها اسبيرات تايونية ولا صينية، يمكن بعد خمسين ستين سنه كدا ناس النعجلة "دوللي" ديل يمكن يكون عملوا اسبيرات لينا والواحد ياخد ليهو "عَمّرَا" كامله.
    وتغيب ابتسامة عم علي المتاسمحة في الضفة الأخري ، ، وتلك البهجة الخاصة التي تحتل اللحظة كل ماجاء ذكر سيرته الناصعة التي كرسها للنضال بطريقته الزورباوية ضد أعداء الحياة.

  7. #7
    رفاعي مُتميز الصورة الرمزية محمد فتحي
    تاريخ التسجيل
    Jun 2010
    المشاركات
    1,411
    معدل تقييم المستوى
    12

    افتراضي

    مُسامرة من وراء المحيط..محمود.. أرق المهووسين

    أيتها الكلاب الجليلة.. رحماك!! فلقد نلت قبل قليل حصة من النباح تكفي إلي نهاية العمر "
    ..
    ..
    المكان: نادي الاهلي الرياضي الاجتماعي الثقافي بالحصاحيصا.
    الزمان:27 رمضان 1991
    عندما حاول صناع القبح الإسلاموي المنظم بايدولوجية وحيد القرن طمس أرث النشاط الثقافي في تننافسه الصحي والشريف بالتغول علي مكتسبات دور العمل الأهلي الثقافي الابداعي بمدينة الحصاحيصا، وبإحلال بيت الثقافة كبديل وحيد لها، وخاصة رابطة الأداب والفنون كأنشط جسد يضم كافة أشكال الفنون الإبداعية، وجدت خطوتهم معارضة فاعلة ضد مشروعهم لسرق كل ما يجمل الحياة بالمدينة والوطن.
    مع مجموعة كبيرة من الحادبين علي امر العمل الثقافي بالمدينة توحدنا حول هدف واحد وهو ان تبقي مكتسبات المؤسسات الأهلية وممتلكاتها ملكاً لأهلها، وضد ان يستحوذ بيت الثقافة علي قطعة الارض المصدقة لرابطة الآداب والفنون، إن ارادت الدولة الإسلاموية بمالها المنهوب من ثروات الشعب أن تبني و تأسس ما يخصها من منظمات عليها تأسيسها بعيدا عن دور هذه المؤسسات التي تعمرت بعرق الجهد الذاتي لكل اهل الحصاحيصا ومبدعيها. واعلنا بشكل واضح عن عدم مشاركتنا في اي انشطة يقيمها بيت الثقافة بالمدينة. وبدأ اثر تلك المقاطعة فاعلا عندما لم تحقق كل انشطة بيت الثقافة ما كان تلك الطغمة ترجوه منها.عانت انشطتهم من البوار لفقر خيالها الابداعي و لبعدها عن هموم الناس وتركيزها علي تجييش الشعب السوداني.
    لكن هؤلاء القوم الذين قرصنوا الوطن بليل، يمتكلون ثعلبية ودهاء كبيرهم الذي علمهم السحر حتى انقلب عليه. تفتقت عبقريتهم الماكرة في الاستفادة من ارث النشاط الثقافي الحيوي لمدينة في شهر رمضان من كل عام. أكثر من ذلك تم دعوتي وصديقي الشاعر الكبير أزهري محمد علي تحت اسم رابطة الاداب والفنون التي نكن لها كل تقدير واحترام ونشارك في انشطتها من حين لآخر، وعلي مسرح النادي الاهلي شيخ اندية الحصاحيصا الذي لا يمكن باي حال رفض دعوة تاتي من طرفهم.
    رافقت أزهري محمد علي إلي مكان الاحتفالية، لطمتنا فور وصولنا لافتة كبيرة الحجم تحتها اسماؤنا مع بقية المبدعين المشاركين وتتصدرها ديباجة بيت الثقافة كجهة منظمة، وإمعانا في المخاتلة وإدقان في اللؤم تم لحظة وصولنا الإعلان عن ضيف شرف الأمسية وهو محافظ محافظة الحصاحيصا مبارك "الكوده" العائد من الاراضي المقدسة بعد أن أداء عُمرة رمضان.
    سريعا أزهري وانا حسمنا امرنا باننا سوف نقرأ اشعارنا فقط تكريما للحضور الذي اكتشفنا من معظمهم قد تم دعواتهم تحت اسم رابطة الاداب والفنون.
    صعدت إلي المنصة، وبعد تحية شهداء الوطن في الديمقراطية والسيادة الوطنية وخاصة شهداء انتفاضة 6 ابريل التي كانت تحل ذكراها في تلك الايام، اعلنت بأنني لن اقرأ في هذا اليوم غير اشعاري التي كُتبت للشهداء، وكان الأول نص بعنوان "لوحة" مهداة لشهيد الفكر الاستاذ محمود محمد طه،النص الثاني بعنوان" نجمة الجنوب تقود إلي كل الإتجاهات" مهداة إلي الشهيد د. علي فضل الذي لم يجف دمه بعد، وتبعني أزهري في تحية الشهداء وذكري ابريل وقراءات نصوص للشهداء ايضا.
    كان التصفيق يهز ارجاء المدينة الصغيرة بعد كل قراءة . طلب الكوده من مدير الليلة فرصة للحديث، صعد الرجل بهدوء كظيم تبرزه تلك الحركة العصبية علي فكيه وفضحه اصككاك اسنانه عندما حاول الابتسام قبل بداية حديثه. تمالك نفسه سريعا، وتحدث بهدوء مفتعل عن العشرة الاواخر من رمضان وكيف كان السلف الصالح يقيمها، عن فضل ليلة 27 رمضان، وعن فضل ليلة القدر، وتحدث عن طرق مختلفة للعبادة واقامة الليل تقربا للخالق، قال منها يمكن ان نتقرب إلي الله مثلما نفعل الليلة، من خلال الغناء والشعر، وجميع الفنون، فجأة ثار الرجل مثل بركان محبوس منذ الآف السنين وصرخ باعلي صوته في نوبة من الهياج تفضح الأسس التي بني عليها المشروع الحضاري الاسلاموي لأذلال الشعب السوداني:
    - لكن لن نسمح بتدنيس هذه الليلة المباركة بتمجيد الهالك محمود محمد طه، ولن نسمح ان تستغل منابرنا من قبل الشيوعيين، والبعثيين، نحنا الله ذرعنا في البلد دي وغيروا ما في زول بقلعنا، ،ثم صار يهذي مثل مصاب بالملاريا ويردح مثل مثكول: شيوعي تاني ما بجي، بعثي تاني ما بجي، أمه تاني ما بجي، اتحادي تاني ما بجي، والجمهوريين ديل قطعنا راس الحية زمان، ومحمود الهالك شبع موت، منو الداير يبعثوا لينا تاني كمان.. ثم رمى بالمايك مفتوحا فوق الطاولة الحديدية فصار يصدر صفيراً عاليا يصم الأذان.
    بارتباك أعلن مدير الامسية عن الفقرة التالية، همس ازهري في اذني بأنه سوف يذهب لأن لديه ضيوف بالبيت، وخرج مباشرة بعد أن انتهي احد الشعراء من قراءة نصه الأول.
    أحسست بان هناك من يحاول ان يهمس في اذني بفحيح أعمى ولا يريد ان يسمعه من هم حولي قائلا:
    - يا عفيف عايزنك
    التفت نحوه، وحدقت مباشرة في عينيه وبين وجهينا مسافة اقل من شبر هو يردد: عايزنك قوم يالله معاي.
    تجاهلته التفت جهة المسرح، فجاء حانقاً وجلس في المقعد الذي كان يشغله ازهري
    - عايزنك..معاك أمن
    قلت له بصوت عال كي يسمعه كل من حولي:
    - عندك ما يثبت انك أمن
    ارتبك قليلا، ثم أخرج من جيبه بطاقة وأخفى بعض معلوماتها باصابعه وضعها علي فخذ رجله اليسرى.
    بنفس الصوت المسموع لمن حولي كي يدركوا حقيقته
    - انتا خجلتا من انها بطاقة امن ولا شنو خاتيها بعيد كد ، ارفعها فوق في الضو دا عشان اشوفها ولا قايل النظارات دي انا لابسه زينة ساي، قرب البطاقة شويه، ما قادر اشوفا.
    ارتبك مرة أخري من صوتي الذي صار يلفت بعض جمهور الأمسية، ولم ينتبه هذه المرة أن يغطي بقية المعلومات التي اراد أن يخفيها في المرة الأولى فحفظت ذاكرتي تلك التفاصيل، لتشكل أول بلاغ حزبي عن أحد كوادر الأمن الجدد بالمدينة الذي كشف نفسه في تلك الليلة.
    - يأخي مامكن تصبر شويه لحد ما الليلة تنتهي
    - لا.. عايزنك هسع
    وتم اعتقالي من وسط جمهور الأمسية الرمضانية، وطار الخبر بين جهات المدينة الصغيرة سريعا،تحركت معه لأجد قوة كاملة العتاد تقف خارج النادي،واخذتني إلي مكاتب الأمن بالمدينة.
    تزامن وصولنا مع عربة الكوده الفارهة، ارتبك افراد الأمن الجالسين في باحة المكتب في مقدمتهم أحد مؤسسي وحدة الأمن بالمدينة وهو حسن العوض من قرية "دلوت البحر"، وقفوا جميعا لتحية الكوده الذي لم يبادرهم بالسلام الذي قال بلهجة آمرا
    - خلو لي شاعر الشيوعيين دا الليله عشان ادبوا ليكم..
    لدهشتي وجدت في احد المكاتب صديقي الشاعر أزهري محمد علي الذي كنت أظن انه الآن يستمتع بعشاء رمضاني بين اسرته وضيوفه، كان يحقق معه أحد ابناء المدينة العاملين في جهاز الأمن اللاوطني وهو عزالدين الصول ومعه آخر، فور دخول الكوده، وقفا معا في لحظة واحدة كمن يؤدي تحية عسكرية، بينما اتسعت ابتسامة أزهري وهوجالس ينظر إلي ارتباكهما، وحاول عز الدين الصول الذي تربطني به ملاعب صبا وجيرة في الحي عندما قدمت اسرته من ود مدني لتستوطن بالحصاحيصا الخروج من الغرفة، فأمره الكوده بالبقاء وان يحضر ورقة وقلم، وامر الآخر بان ياخذ أزهري محمد علي إلي غرفة أخري..
    مازالت نوبة الهياج تكسو وجه الكوده، عروق رقبته تكاد ان تنفجر وتشنجت كل ملامحه حتي خلت انني ارى وجهه قادماً للتو من الموت وقال:
    - أكتب اي كلمة يقولا الزول دا، اسمك منو؟
    -عفيف
    وابتسم تلك الابتسامة الثعلبشيطانية او الشيطثعلبية الصفراء التي دربهم عليها شيخهم الكبير ثم اردف :
    - عفيف حاف كدا ولا ما عندك ابو؟
    لم استجب لإستفزازه واجبت بهدوء
    - عفيف اسماعيل
    وصار يهذي ويبصق في فضاء الغرفة بذاءته النتنه والتجريح، وساقط القول والاسفاف الذي يعف عنها القلم واللسان، و التي تفضح وجهه الحقيقي ثم اختتمها بقوله:
    - ها.. عفيف!! العفه وين تلقاها بلسانك الزفر دا البمجد الهالك محمود، محمود مات وشبع موت مالك تاني جايب سيرتو ليه الناس نسوا زمان، انتا قايل نفسك بتعبي في الناس ضدنا، يمين زي شغلك دا انا اشتغلوا في زمان وعارف بعملوا كيف." يضحك بعصبية ثم يواصل" ها.. كادر دعائي قال، وبعبي في الجماهير، وقف فجاة وصار يقلد قراءتي:
    وارسم وجها لرجل قال:لا
    سجنوه قال:لا
    عذبوه: قال لا
    - وينهم الناس الدايرهم يقولوا "لا" وراك ديل، نفخك تصفيقهم وعامل فيها بطل، والله الليلة ما يفكك مني إلا الجن اللحمر، ولا اقول ليك انا هسع بعربتي الجديده دي في ساعة بس ممكن اسوقك اوديك الخرطوم يمين الجن اللحمر زاتو ما يعرف انتا وين، وتلحق محمود الشاقي حسك وداير ترفعو لمصاف النبوة كمان، كدي اقرأ لي الحتة بتاعة النبوة دي
    - الدفتر الكنت بقرأ منو صادروا ناس أمنك ديل
    - هو كان شعر فيهو فائدة كان حفظتو، شعر مسيخ بلا طعم، ولا وزن ولا قافية، رجلا قال: لا ، عذبوه قال:لا، الليلة ح نوريك العذاب لحد ما تقول يا ريت لو ما اتولدت من اصلوا، كدي وريني الكلام الفارغ دا كتبتوا مخصوص عشان تحرض بيهو الناس الليله؟
    - لا.. النص دا مكتوب من سنة85
    - هيي..هيي ماتتفلسف علىّ انتا قايل نفسك لسه في الندوة، نص وبتاع، داك كلام اي زول من الشارع بقولوا قال رجلا قال لا، ومن سنة 85 مكتوب طيب لزوموا شنو تقراهوا الليله بالذات، كدي اشرح لي تقصد شنو برجل قال لا
    - اقصد رجل اسمه محمود محمد طه و قال لا
    - يا زول انتا بصحك، عندك عقل في رأسك دا، وفاهم الكلام البتقول فيهو دا؟
    - ايوه
    - وعرف معناهو شنو؟
    - ايوه
    - هل انتا عارف انو مفروض هسع تقوم تغتسل وتتوضأ وتصلي لربك لحد الصباح كان يقبل توبتك، تلقاك هسع ما بتعرف معني غسل ووضوء وتوبة ذاتو،انتا عمرك كم؟
    -31 سنه
    - متزوج
    - لا
    - شغال شنو؟
    - مصور
    - مصور بتاع شنو؟
    - مصور فوتوعرافي
    - عندك اخوان؟
    - ايوه
    - كم اخو؟
    -سبعه
    - عندك اخوات؟
    - ايوه
    - شنو انتا شابكني ايوه ايوه، وتجاوب علي بالقطاره وينا فصاحتك الكنت بتسو فيها قدام الناس دي، ولا الشوعيين مدربنك علي انك تجاوب كدا، جاوب زي الناس لما اسألك، عندك كم اخت؟
    - اتنين
    - متزوجات؟
    -لا
    - ابوك وامك حيين؟
    - ايوه
    - كبار في العمر؟
    - ايوه
    - يعني انتا بتساعدهم في المعيشة؟
    - ايوه
    ارتخت ملامحه وحاول ان يلعب دورا آخر وقال برقة مفتعلة:
    - هسع كان حصل ليك حاجه لا قدر الله، غير تعذب ابوك وامك واخوانك وراءك شنو، اخير ليك تخليك في تصويرك دا، وبطل كلام التحريض الفارغ البتسوي فيهو دا، قبل شويه كنتا عامل فيها بطل قدام الناس، آهه هسع الناس الناس ديل وين هم؟ ما براك شايل شيلتك. أنت شكلك طيب وابن ناس، ما تكون اناني وتفكر في نفسك، فكر في اهلك ديل.انت عارف انا ذاتي كنت فنان، وبعزف الكمان، وبحب الموسيقي والشعر، لكن لاي حاجه زمنا، عشان كدا ماتضيع نفسك ساي ورا نزوة شهره وبطوله فارغة، اختا درب درب الكفار ديل الجمهوريين والشيوعيين، فكر في الكلام دا كويس، انا ح اجييك تاني بعد شويه. واشار لعزالدين الصول
    - وديهو جوه وجيب لي الشاعر التاني دا.
    جلست في تلك الزنزانة وحيدا لمدة ثلاثة ساعات، قرب الفجر استدعاني مدير وحدة الأمن واستمر التحقيق معي لأكثر من نصف ساعة من البذاءات المتواصلة تشبه الوجه الاخر لعملة الكوده الصدئة من صديد الكلمات الساقطة التي ينعم بها قاموسهما معا، ثم طل الكودة فجأة وقال له:
    - خليهو يمشي، ما دايرين نعمل منو بطل.
    فاطاع مدير الأمن بلا تردد امر المحافظ. فالأمن ليس أمن الوطن بل هو أمن حزب الجبهة القومية الإسلاموية.
    وخرجت ونسمات اول الصباح تزهر في الأفق مشبعة بطمي النيل الأزرق
    بدات تغسل بعض من سموم بدني وروحي من بذاءات اصحاب المشروع الاسلاموي الحضاري. حدقت بإتجاه النيل الأزرق حيث يقبع بنطون الحصاحيصا رفاعة مثل كائن خرافي ، ثم حدقت في الأفق فرأيت وجه محمود يتخلق بتحولات الالوان الفجرية في لوحة شفقية كاملة الزهو والابتسام، تسندني في تلك اللحظات العجاف فدبت العافية والنشاط في بدني وروحي وصرت اسير بخطوات اكثر رشاقة وانسجام.
    تجاوزت حي المايقوما متجها إلي حيث أسكن بحي أركويت. فجأة علي مشارف الحي بدا كلبين في النباح، ثم تحول إلي عاصفة من النباح من خلفي، فتمتمت سرا بحنو:
    - أيتها الكلاب الجليلة.. أعلم انك تؤدين واجبك المقدس تجاه من يقدمون إليك الطعام والمأوي،أيتها الكلاب الجليلة.. رحماك!! فلقد نلت قبل قليل حصة من النباح تكفي إلي نهاية العمر
    الجمعة 18 يناير 1985:
    أين كُتب نص "لوحة" المهداة لروح الشهيد الأستاذ محمود محمد طه؟

    بعد أن اكملت محكمة الطوارئ المهزلة والهزلية مسرحيتها العابثة واصدرت قرار حكمها بإعدام الاستاذ محمود محمد طه، عم الآسي والحزن كل ارجاء مدينة الحصاحيصا، حين تأكد تاريخ التنفيذ، فر الشيوعيون والديمقراطيون باكراً بحزنهم في صبيحة يوم 18يناير 1985 إلي خارج المدينة إلي تلك الغابة الصغيرة الواقعة بين أربجي والعيكورة، يعلكون حزنهم بعيدا ..ذاك حزن لا يمكن احتماله بين جدران المدينة.
    كان الصديق محمد نور الدين في ذاك الوقت يعمل مهندسا بمشروع الجزيرة اوقف عربته علي مقربة من الشجيرات الجافة التي تظللنا، وكان يساسق بين راديو العربة ومجلسنا وينتظر معجزة ما، وكان يهمس لي بين وقت وآخر بأنه يحس بأنه يري تفاصيل كابوس مزعج يتخلق امامه وهو لا يستطيع أن يفعل شئيا. كان الاستاذ عبد الرءوف عمر بصرامة يضعها قناع كي يخفي حزنه، يوزع في مهام العمل لذلك اليوم. واختفت ضحكة أنيس عبد الرحمن الانيسة وارتسمت علي جبينه تغطيبة عبوسه، ابحرت عينا الشاعر محمد رملي إلي ما وراء الأفق مثل ملاح تائه، وجلس عاطف اسماعيل بعيدا يمضغ حزنه وحده، ومبارك محمد الحسن يحاول يختبي خلف اطار نظارته.
    وعندما عاد محمد نورالدين بعينين مملؤتين بدمع دامي وتحولت عينيه مثل الجمر ادركنا بأن محمود قد صعد إلي حيث أختار. بدأ النص يتخلق في ذهني جملة جملة، صورة صورة وتجمعت حتى شكلت النص الشعري المعنون بلوحة:
    وارسم وجها لرجل قال: لا
    سجنوه قال:لا
    عذبوه قال: لا
    قايضوه ان يشتري روحه بدمه
    قال:لا..
    ان يبيع روحه ليربح دمه
    قال:لا..
    أوثقوه: مشى
    عصبوا عينه: أبصر
    شنقوه: انتصر
    واكمل رسم وجه رجل طيب يدعي محمود
    نبيا في وردة التكوين
    أوحت له الأرض بالعشق: فسما
    عندما حاولت تنقيح اشعاري في منتصف التسعينات والدفع بها للطباعة، تتضألت كل النصوص الشعرية التي كتبتها في فترة الثمانينات عدا نص"لوحة" المهداة للاستاذ محمود محمد طه ونص آخر اصطحبتهما معي للطباعة ليجد نص " لوحة" حظه من النشر في مجموعتي الشعرية الثالثة"ممر الى رائحة الخفاء" الصادرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب تحت سلسلة كتابات جديدة الشهرية. لقد تركت المجموعة بحوزتهم قبل مغادرتي للقاهرة إلي بلاد الكانغرو في عام2003، ففاجأني الناشر في عام 2006 بطباعة المجموعة الشعرية ويزين غلافها الخلفي مقطف من نص "لوحة".
    أيضا فاجأني الصديق الموسيقار ربيع عبد الماجد في خواتم العام الماضي بوضع نص موسيقي مواز للنص الشعري "لوحة" التي لحنها وتغني بها وعندما سمعتها اعاد إلي لحنه الجميل وصوته المعبر كل تداعيات ليلة النادي الأهلي بالحصاحيصا في 27 رمضان 1991م، وضيق أفق السلطة الحاكمة التي يمثلها محافظها بالمدينة مبارك" الكوده" أعلي سلطة أمنية لقمع سكانها.
    من زنزانة الأعتقال في تلك الليلة تكون منتدى الحصاحيصا الأدبي بعضوية كل من الشعراء أزهري محمد علي، د.طلال دفع الله عبد العزيز ومعتصم الطاهر وكنت أكمل مربعهم، وترافقنا جميعا في قراءات شعرية بطول بالبلاد وعرضها خاصة في الجامعات والمعاهد العليا.
    ظل لحن الموسيقار ربيع عبدالماجد يتدفق ويتجول بين كثير من الزكريات، منها كوابيس تلك اللحظة التي أغتيل فيها فادي الشعب السوداني الشهيد الأستاذ محمود محمد طه،علي الشبكة العنكبوتية في الرابط ادناه سوف تجدوا أغنية "لوحة".

    ..
    ومازال الاستاذ محمود محمد طه أغنية للصلابة والجسارة..
    ومازالت ابتسامة الاستاذ محمود محمد طه مشرقة في جنبات روحي بإخضرارها المورق، وكل ما حاصرتني الأوجاع والكوابيس تضي لي عثار الخطى..
    ومازال الشهيد الأستاذ محمود طه يتجلى بهيا مثل عنقاء تنفض موتها كل يوم..
    ومازال الشهيد الأستاذ محمود طه أرقا مالحا لكل المهووسين.

  8. #8
    رفاعي مُتميز الصورة الرمزية محمد فتحي
    تاريخ التسجيل
    Jun 2010
    المشاركات
    1,411
    معدل تقييم المستوى
    12

    افتراضي

    وداعاً زوربا السوداني1

    المكان:الحصاحيصا.. ستديو الحصاحيصا للتصوير الفوتوغرافي..
    لصاحبه علي محمد الطيب
    الزمان:النصف الثاني من العام1991

    في ذاك النهار الغائظ من مايو 1991 كنا نجلس بدر الدين عبد الباقي وادريس حسين مع عم علي،الشهير بعلي الفك ، أو ابو حميد أو زوربا السوداني، نحتمي من حمي الظهيرة داخل صالة الاستديو نتفيأ ندواة جهاز التكيف كي نتقي حرارة ذاك النهار الملتهب، ونتبادل شجون الوطن الممكون بعصبة من مصاصي الدماء البشرية وهواة الرقص علي نزيف الحرب ويسمون المآسي أعراساً للشهداء ومحاولات تجيش الجيل الشاب نواة الحلم التغيير في السودان، دخل علينا متصصبا عرقا ومرحا رسام الكاركتير الشهير بدرالدين مصطفي صالح بحضوره البهيج الذي يشعل المكان صخبا، قبل ان يكمل تحية لكل الحاضرين وشكواه من ارتفاع درجة حرارة النهار بادره عم علي قائلا:
    _ جيت في وقتك يا بدر ، جيب ورق وقلم عندي ليك فكرة كاركتير مجنونة حاره زي نار النهار دا.
    يضحك بدرالدين كعادته اولا علي نكتته التي لم يقلها بعد ويقول له:
    - كدي خليني اقعد معاكم في الجنة دي شويه يا عم علي ، وبعد داك الرسم ملحوق
    يجلس بدر الدين وهو يخرج من حافظة اوراقه التي تلازمه دائما ورقة ويبسطها امامه، يقول له عم علي:
    - ارسم لي طوه كبيره زي البطيخو عليها في المناسبات وعيد الضحيه،وتحتا نار ملهلبه، وجوه الطوه الكبيره دي الشعب السودان كلو واقف صفوف عرضية منتظمة.
    سريعا من اصابع بدر الدين الدربة علي الجمال وفتنة الخلق تستقيم الخطوط في بياض الورقة، ونحنا نتابع بانفاس مكتومة لنر الطوه العظمي داخلها الشعب السوداني بكل سحناته المتعددة يتظلي بتلك النار الحارقة.
    - ارسم لي الترابي واقف قدام الناس دي كلها زي امام الصلاه بس ملتفت للشعب السودان.
    بمهاهرة احترافية ياخذ الامر اقل من دقيقة لنتبين ملامح عراب المشروع الحضاري الاسلاموي ورأس الحية في حلة الواعظ الثعلبي الملامح مبتسما يهم ان يقول شئيا
    - يالله التعليق ح يكون طالع من خشم الترابي يقول: استوووووا يرحمكم الله!

    يتزلزل جس بدر الدين بالضحك بينما يتلوي نور الدين عبد الباقي ويسقط علي الأرض ويغالب ادريس دموعه الضاحكة، ويقهقه عم علي بضحكته ذات الشهيقات المتقطعة، أمد يدي ببطء كي اخذ تلك اللوحة البديعة من بين اصابع بدر الدين ، ينتبه سريعا ويمزقها إلي قطع صغيرة ويعلق قائلا:
    - كدا..كدا يا الترلا..العب غيرا عايز تودينى التونج ولا شنو.
    وقُبر ذاك الكاركتير المعبر عن حال الشعب السوداني في سلة مهملات عم علي، وهويحكي عن حال صحافة عصابة الانقاذ الدموية وقوانينها القمعية في سنواتها الاولي،نُري هل تحركت عجلة الدوران إلي الخلف وإلي وأسفل سافلين بالشعب السوداني من مربع الانقاذ الاسلاموي القمعي للحريات الاول كثيراً؟
    عم علي بحسه الفكهه والطريف، ومخيلته الساخر كان احد منابع الالهام لفنان الكاركتير الراحل بدرالدين مصطفي صالح في فترة الديمقراطية الثالثة،1985-1989 حيث كانت الصحافة حرة، وليس هناك رقيب قبلي أو بعدي، كانت مخيلة عم علي بقدراتها الساخرة تنال اغلب الزعماء السياسيين خاصة الترابي والصادق المهدي، وكان بدرالدين يترجمها علي الملأ بلا خوف او وجل، وتنشر يوميا علي صفات الصحف اليومية علي امتداد السودان بلا رقيب أو ترهيب.

    عم علي السوداني البسيط المهموم ببلده علي مدار الثانية ،لم ينضم يوميا كعضو عامل في الحزب الشوعي السوداني، لكن لا احد يصدق انه ليس من المؤسسيين له، بحفظة لأدق تفاصيل تاريخ الحزب منذ التأسيس وكل منعرجاتها، ودفاعه المستميت عنه، والتبشير بأفكاره في كل لحظة، لا يجتهد كثيرا ويقول هذا شرف لم يطاله بعد لا لكنه لا ينفيه، ويقول انه ماركسي علي سيرة ماركس الأولي، وذلك كان جدل دائم بينه وبين صديقه اللدود، احد كوادر الجبهة القومية الاسلاموية وعباءتها الواسعة التي ضمت من ظنوا انهم حراس حقيقيون للقيم الاسلامية المتوارثة في السودان، وهو المرحوم علي الترس تاجر الادوات المنزلية،الذي يقع دكانه علي مقربة من ستديو عم علي للتصوير الفوتوغرافي بسوق الحصاحيصا، ودائما يطيب لعلي الترس الجلوس والاسماع والاستماع بحكايات عم علي التي لا تنتهي، ودائما ما ياتي بجبنة الديوم البيضاء عند مواعيد وجبة الافطار وفول محي الدين الشهير، ويناكف عم علي كثير لمزيد من المسامرة وجلب الضحكات ، وذات افطار محضور من عدد اصدقاء عم علي، تعالي صوت علي الترس كأنه يخاطب نفسه بصوت مسموع:
    - اهسع الاكل مع الشيوعيين دا حلال وحرام، حرام ولا حلال، ولا هو اكلهم زاتو من اصلو حلال ولاحرام.
    - يا علي الترس، امسك واحد عندك،نحنا ما قاعدين ننهب ولا بنخزن قوت الشعب، ولا بنط علي الحيط بالليل، ولا بنقطع ايدين الناس بالتسرق عشان تاكل، ولا بنقطع ارزاق الناس عشان بس اختلفوا معانا في الرأي،وما عندنا مربحات من البنوك الطفيلية الاسلامية، ولا عصابات منظمة بتمص في دم الشعب السوداني وتهدر في كرامتو، انتا شايفني قدامك كل يوم بشتغل من الساعة تمانية صباحا لحد تمانيه مساء، ولا اقول يا اخي كان كايس فتوة حرام وحلال، أُكل اكلك ساكت مطمئن، والله كنا فتشتا الدنيا كلها ما تلقي اكل حلال اكتر من اكل الشوعيين دا.
    يضحك علي الترس ويستمري المناكفه:
    - لكن الشوعيين ديل كفار، وحطب النار، هسع يا عم علي الله! وعليك الله، ولا انت حليفت الله ما تسير معاك، طيب عليك ولدك عبد الخالق! شوعيتكم وكفركم دا مجاني ساكت كدا! ما فيهو جبة قروش، كدا شقاوه لله في الله؟
    _ يا اخينا في الدنيا! هو شوعيتنا دي كان فيها قروش كونتوا انتي وجماعك الطيبين ديل خليتوها لينا بالساهل كدا، يمين كان كان فيها قروش كان انتو بقيتو عديل كدا الكفار والشوعيين ونحنا بقينا الاخوان المسلمين.

    ويرحل عم علي إلي ضفته البعيدة وتبقي سيرة كحكاء عظيم، ومناهض لكافة اشكال القمع وداعيا للحرية والديمقراطية واحترام الآخر،ويبقي تعدد اسماءه الكثير التي تدل عليه منها
    أبو حميد، علي الفك، زوربا السوداني.

    الزمان: منتصف الثمانيات من القرن الماضي
    المكان: منزل الزميل حسن علي حسن بالحي الأوسط بالحصاحيصا

    مررت علي عم علي كي نترافق معا إلي ندودة الحزب المقفولة للديمقراطيين والشيوعيين للتفاكر حول كيفية دعم مرشح الحزب بالمنطقة الاستاذ جعفر عبد الرازق بخيت لإنتخابات الدئرة 85 الحصاحيصا الغربية، وجدته غارقا في توزيع عملات ورقة إلي اكوام امامه قال لي تعال امكن تساعدني في فك الشفرة دي
    الكوم الأول دا ايجار الدكان والبيت
    والكوم التاني دا مواد الاستديو الشهرية
    والكوم التالت دا مصاريف ولدي واسامه في الجامعه
    والكوم الرابع دا مصاريف البيت
    والكوم الخامس الكبير دا حق سداد بعض الديون
    وواصل حديثه، كل ما احاول ان اكمل واحد ينقص التاني ما عارف اعمل شنو،دي معادلة الجن ذاتا، انتا عارف انا عرفتا ليك سر محقت قروشنا دي، ما ممكن نجتهد ونظاهر ونعمل انتفاضة شعبية عشان نشيل نميري من الحكم ، لحد هسع كل يوم نلقاهو قاعد بصورتو وعمتو الفاجرة دي في العملة في جيوبنا، دا يعني انو نظامو الفاسد زال شكليا لكنوا لسع قاعد اقتصاديا بكل آلياتو البطاله، آهه الساعة كم انتا جيتني عشان نمشي ندوة ناسك المفلسين ديل، بالله اسع الواحد كان كان مع الجماعة الطييبن ديل ما كان بكون محتاس الحوسه دي كلها، يعني نلقط فيها زي لبن الطير وبرضو ما لافقه، يا يشيلها النمل يا يطاها الفيل، يالله خلينا نمشي الندوة وبعدين اجي احسبها.
    وجمع اكوامه عملاته الورقة كلها وعقلها من خاصرتها بقطعة من المطاط.. وذهبنا.

    رحب بنا الزميل حسن علي حسن علي عتبة باب منزلهم المفتوحه لكافة الانشطة الاجتماعية والرياضية والسياسية بالحصاحيصا، وكنا قد وصلنا في تمام بداية الندوة. بعد الحديث الطويل عن طبيعة الحملة الانتخابية والتي القصد الاساسي منها بناء موسسات القوي الديمقراطية بالمنطقة، تحول الحديث لكيفية دعم الحملة الانتخابية، تم اقتراح عديد من الاشكال الجذابة والمبهرة ، لكن معظمها يحتاج إلي تكلفة مالية ضخمة، وتراجع سقف التطلعات إلي الاكتفاء في بداية الحملة ببعض اللفتات القماشية في المناطق الرئيسية بالمدينة، وسريعا تم تحديد المبلغ مع التنبيه للاسراع في الجمع المبلغ المطلوب حتي لا تتاخر الحملة، وفُتح باب التبرعات للحاضرين، وتم جمع نصف المبلغ واعلن مدير الجلسة عن ان نحاول اسبوع او اسبوعين ندعو لندوة اخري او نجمع تبرعات من بعض الاصدقاء والمعارف.
    فجاءة..
    وقف عم علي واخرج كل المبلغ الموجود بجيبه وقال، اظن كدا المبلغ بيكون تما، خلونا يا جماعة نبدا الحملة بدري، انتو شايفين الجماعة الطيبين ديل ملصقاتم أم ورقاً مصقول وملون ماليا الحته احس نحنا ما نتاخر اكتر من كدا وما نضيع الزمن الغالي دا و إلا حصادنا ح يكون صفر.
    وانتهت الندوة بحل عم علي الحاسم ولم يتبقي الي التنفيذ من مجموعة الخطاطين والفنانين.
    هذا هو عم علي الذي يعرف هو الامل ان تفعل الشئ المناسب في الوقت المناسب وبشكل مستمر. وان تقصر المسافة بين ما تفكر وتفعل.
    وعن عم علي زوربا السوداني المسامرات لا تنتهي..

    *مسامرة من وراء المحيط ،نشرت هذه المسامرة بجريدة الميدان لسان حال الحزب الشيوعي السودان العدد2396 28يوليو2011
    http://www.midan.net/almidan/wp-cont...1/07/23964.pdf

  9. #9
    رفاعي مُتميز الصورة الرمزية محمد فتحي
    تاريخ التسجيل
    Jun 2010
    المشاركات
    1,411
    معدل تقييم المستوى
    12

    افتراضي

    لوحة2

    وارسم وجهاً لرجل قال:لا..
    سجنوه،قال: لا..
    عذبوه،قال: لا..
    أوثقوه :مشي...
    عصبوا عينيه: أبصر..
    شنقوه: أنتصر
    أكمل رسم وجه رجل طيب
    يدعي "محمود"
    نبياً في وردة التكوبن
    أوحت له الأرض بالعشق ..فسما!

    الحصاحيصا1983

  10. #10
    رفاعي مُتميز الصورة الرمزية محمد فتحي
    تاريخ التسجيل
    Jun 2010
    المشاركات
    1,411
    معدل تقييم المستوى
    12

    افتراضي

    مُسامرة حوارية مع الفنانة المغنية د. ياسمين إبراهيم

    الفنانة المغنية د. ياسمين إبراهيم تقول:
    *أن الواقع السودانى بتأزماته السياسية،الاقتصادية والاجتماعية أنعكس سلبا ليس فقط على الحركة الثقافية.
    *الموصلي أعطىى خطوتي بعدا أوسع وفتح لتجربتى افاقا أخرى اذ تكفى عبقريته الموسيقية كى تمنح الغنا مذاقا اخر.
    *فالتداعى مع النص يجعلنا نستشعر الحزن والصمود،الوحدة والتماسك ويزداد اليقين أن هناك قدرة ما خلف التعب.
    *مصطفى سيد أحمد ترك فينا ما لو تمسكنا به ، زادنا حبا وجمالا.
    *مجموعة ساورا الغنائية كانت أضافة فى حياتى على كل المستويات.
    *العمل الابداعى لا يتوقف بالتغيرات المكانية لمن امتلك الوعى بذلك واعنى ما ذكرته مسبقا عن ضرورة التفاعل مع البيئة الجديدة،الاستفادة من الأدوات المعرفية.
    أبنى تجربتى الفنية أحمل هما أكبر بمسؤولية العمل الابداعى تجاه التجديد، رج السائد وأكتشاف أفاق أخرى هى من صميم مكنونات الانسان السودانى والأنسانية.
    أما قبل:
    كي تدخل إلي حديقة الفنانة المغنية د. ياسمين إبراهيم محجوب الغنائية:
    لابد لك ان تتعثر في اول ممرات بهاءها بفواح يدوزن الفضاء صداه يتردد بتنغيم صوتي نابع من روح قدسية، صلصالها النوراني معجون بالتراتيل وترانيم المعابد القديمة، وبعض اشجان الانعتاق من وحل الطين، ومناحات أزمان ضروس، وابتهاجات احلام طفولية تركض خلف قوس قزحها، ويقين عرافة بتواقيت الطلق المخبوءة في رحم الآتي.
    كي تدخل إلي حديقة الفنانة المغنية د. ياسمين إبراهيم محجوب
    عليك ان تشحذ حواسك بذاكرة الدعاش، لآن صوتها سوف يسري بك إلي سماؤات لا نراها، سوف تحلق في الما بين، وسوف تعود جينياً إلي برزخ التكوين، وفطرة البدايات، وانفطار الروح عن سيديمها الأول، وانفلاق البذرة عن الجذور، سوف تنعتق من ثقل الجسد المُتعب برهق عبء اللحظة، واطنان الهموم، سوف تتسرب مع صوتها إلي الأعالي مثل دخان أعود ندي هندي. سوف تعود جنين بذاكرة سبع اجداد، وطفل مغسول الصدر بعطر خفيف، ولمسة حانية، وهدهدت فصول الرذاذ لك حد الخدر الذيذ، والنشوة البكر، والاستفاقة الكسول.
    ..اذن ..
    عندما تدخل إلي حديقة المغنية د. ياسمين إبراهيم محجوب الغنائية تعود طفلاً محباً للنزق الركض في براري خضراء لم تعرف قواميسها بعد مفردة الجفاف، الموات، وجدب المواسم. تنمو بداخلك نبتة الأمل، والاطمئنان.
    كي تدخل إلي حديقة المغنية د. ياسمين إبراهيم محجوب الغنائية:
    عليك ان تاتي إلي رنين حنينها الغنائي،الذي سوف يحلق بك إلي مسارب أعالي ألق البعيد البعيد.. برعاف مسبوق، ومنطاد جاهز للهبوط الاضطراري، كي تعود إلي ارضنا بين لحظة واخري كي تلتقط انفاسك الهاربة منك خلف رنين حنينها الغنائي االمشبع بالاصباح والهديل الحميم، ثم تعود إلي ذات التحليق المجيد، غير نادم إلا علي انك لم تتعرف بديع نمها من قبل، وعلي صوتها الذي يتنفتق مثل ميلاد لؤلؤة في ضوء الشمس، كي يغسل مسامك بترياق الاغنيات الندية.
    .. وبعد الغناء:تنتخب حديقة المغنية د. ياسمين إبراهيم محجوب الغنائية اشعارها من نسيج لكلمات تنتمي إلي الحساسية الجديدة في الاغنية السودانية، نصوص شعرية طازجة المعني والمضمون، مشبعة بغنائية متدفقة، مترعة بالانتقالات من حالة إلي اخري بدقة ساعة سويسرية الصنع، نابضة بصور شعرية لها ديناميتها الداخلية التي تجعلها قابلة للتجدد المستمر، بعدد مهول من التلخيصات اللغوية،المجازيه ودلالاتها المفتوحة علي الوجود الانساني ككل، وتحوي وتحاورما يجاور الانسان من اقارب في محيطه البيئوي المتعدد المخلوقات ذات الارتباط الأصيل.
    وتقتفي الفنانة المغنية د. ياسمين آثار عملاقة لها بصمتها المميزة علي صفحات تاريخ مشروع الاغنية السودانية الممتد بذات التطابق الخطو المتجاوز، لذلك ليس غريباً ان تكون حديقة د. المغنية ياسمين إبراهيم محجوب الغنائية عابقة بفواح لطيف في سليلة مجموعة ساورا الغنائية ذات المشروع الغنائي النهضوي المستشرف الآن والاتي.
    لذلك جاءت الحان اغنيتها مزيج من الجديد الأصيل المتجذر في الوجدان السوداني العامر بالتعدد والتمازج المتصاهر رغم أنف هواة آفات بذر التشتت والعصبية.

    الاستاذ أبراهيم محجوب مشروع الفنان الشامل المتعدد المواهب والغوايات،ماذا أخذت منه د.ياسمين؟*

    ولدت على نغمات عوده فنمى فيا عشق للموسيقى كبر بتكاثف تلك الأمسيات وهو يتشارك أجمل الأغنيات مع والدتى أمال الحاج عبدالرحمن ذات الصوت العذب. علمنى منذ الصغر مصاحبة الكتاب وحب القراءة،فكان قبل أن أتعلم الأحرف يقرأ لى القصص ويشحذ مخيلتى بتصاويره،وحين أدمنت القراءة كان لشعره وقصصه ورواياته نصيب كبير،وهذا الاطلاع وحب النصوص بأنواعها جعله فيما بعد يمنحنى وأمى فرصة القارئ الأول لكتاباته،نجلس بعدها لنتناقش وكل يدلى بدلوه.عندما أعود بذاكرتى الى بدايات طفولتى،أذكره يأخذنى الى الندوات الشعرية،واتحاد الكتاب انذاك وهو حافل بالنشاط ولقاء الأدباء والمثقفين،المهتمين والمهمومين بالأدب والفن وقضايا البلد.ثم الى كلية الفنون الجميلة حيث بدأ فيها سنته الأولى فى قسم التلوين،فكنا نطوف كل أقسامها نمتع الروح والعين بتلك الأبداعات المعبرة والتى ما حصرتها جدران بل تمددت لتشمل الساحات الخضراء فى الكلية والطرقات الصغيرة.وكانت لكلية الفنون سطوتها اذ أنها لم تكن فقط منبرا لهذه الفنون وانما كانت أيضا ملتقى ثقافى تقام فيه جلسات أستماع وصار جاذبا لأهل الفن والأدب،المتذوقين له وحتى لمن لا له فى هذا ولا ذاك لكن جذبه الجو الحافل بالجميل والجديد. تلك الخطوات مع والدى العزيز،ظلت فى ذاكرتى وساهمت فى تشكيل ذاتى وكان هو دائما يضيف لكل حدث ولكل خطوة أبعادا ويعمق فينى الاحساس بما حولى،كيفية التعامل مع الجمال والتعبير عنه،عن أفراحنا أحزاننا ومحاولة التقاط ما وراء العادى،والتأمل والذى كان ديدنه فى كل الأوقات. أعلم ما أورثنى اياه ابراهيم محجوب جينيا،لكن وذاكرتى مشحونة بكل تفاصيله،فكره ،ابداعه ومساهماته فى هذه الحياة أحاول أن أحذو حذوه، أتشبث بما لم تكسبنى به الايام معه،وأترك للأفكار،الأحساس والتأمل حرية أن ينسرب من ذاك البعيد ليتحول أدراكا واعيا لمسيرتى فى الحياة وضرورة التخطيط للجميل القادم. لا زال لى تواصلا ممتدا معه حتى الأن وهذا التواصل أحد دوافعى لتطوير أدوات تشكيلى الجمالى والترسيخ للعمل الانسانى الذى أسس له وصاغ من أبنيته الابداعية مايجعله خالدا.

    *القمر صاحبى أغنية ذات نص شعرى يحمل بين طياته الكثير.تصاهر ثقافى فى البناء الشعرى الغنائى،يجمع بين ملامح روح أغنيات الجاز الأمريكى القديم والشعر الغنائى السودانى وروح نهايات الستينيات وبداية السبعينات وبعضا من الروح الغنائية فى الشعر العربى القديم.كيف انتخبتك تلك الأغنية المدهشة؟
    "القمر صاحبى" من نصوص المرحلة الأخيرة لابراهيم محجوب وأعنى بذلك المرحلة التى اتبع فيها شكلا جديدا فى الكتابة يختلف عن بداياته والتى كانت تجمع ما بين روح الشعر العربى القديم والحديث.والنص كما قلت عفيف حمل روحا غنائية بداخله وهذه أحدى الاشياء التى شدتنى اليه،و هذه الغنائية تحمل معانى أخرى مدعاة للتأمل والأستغراق فى صور شعرية وجمالية بسيطة وعميقة، ولأنى أعلم الحالة الشعرية والمشاعرية التى تتملك والدى فى كتابته لنصوصه، فأن تلك الحالة مضافا اليها أخيلته الممتدة وعمق التفكر فى تلك الزمكانية الخاصة به،تتقمصنى واتقمصها وأحس أنى جزء من النص. فى ظنى أن هذا التدفق فى العاطفة وكثافتها قادر على التسرب الى أى قارئ فالتداعى مع النص يجعلنا نستشعر الحزن والصمود،الوحدة والتماسك ويزداد اليقين أن هناك قدرة ما خلف التعب، قوة ما تصارع المخاوف، صديق ما رغم الغموض والتساؤل.لذا وان كان النص يبدو شديد الرومانسية، فهوايضا لسان حال الضيق،الرهق والمعاناة وهى توقن أن هناك نافذة للخلاص نفتحها بالصمود والقوة الكامنة فى داخلنا.

    *الطاقة الابداعية هى طاقة متحولة على حسب احتياج مبدعها لها.الى أى حد أضاف التشكيل وعمق العلاقة بالألوان الى ياسمين المغنية؟
    أعود وأقول أن لوالدى الدور الأعظم فى بناء علاقتى والألوان فقد علمنى وكذا_علم أخواتى من بعدى- وأنا طفلة صغيرة تسعد بمشاركاتها فى مسابقات الرسم والتلوين داخل السودان وخارجه،علمنى أختيار مواضيع تحمل أحاسيسا،تساؤلات وترمز الى قضايا انسانية تهم كل العالم. هذا التجريب،الانفعال والتفاعل الانسانى هو الذى أكسبنى عمق الاحساس باللون،بالنص وبالموسيقى اذ فى اعتقادى لا حد فاصل بينهم فى وجود المثير المحرك للمشاعر وبذا أسس لمقدراتى على التفكر،الاستلهام،أختيار النص/اللون الذى أعبر به عن رؤيتى وعن المشترك بينى والاخرين.

    * مجموعة ساورا الغنائية ذات المشروع الغنائى والموسيقى المتجدد،ماذا أعطتك؟
    ساورا كانت أضافة فى حياتى على كل المستويات، فهى مشروع فنى، ثقافى وأنسانى بحق.وجدت فى ساورا ما يرضى حبى للشعر وما يفجر احساسا مختلفا بالنص لكونها تبنت اختيار نصوص جديدة ومجددة فى عالمنا الانسانى من حيث المخزون الجمالى،العاطفى والاخيلة،نصوص تحمل تأملاتنا الصغيرة وهمومنا الكبيرة فالأغنية في ساورا ذات مضمون خاص يحمل موروثاتنا،يفاكر فى اليوم ويمتد رؤى للغد. ساورا أضافت لذائقتى الفنية والأدبية وهى تجربة دعمت فكرة العمل الابداعى لدى وكيفية تنفيذه وهى برغم العوائق التى واجهتها،علمتنى كيفية الانتماء للمشروع الانسانى والصبر لأجل الفكرة،أهمية العمل الجماعى، توحد الرؤى رغم أختلاف الاراء والعمل الدءوب،أحترام الاخر وتقبل النقد،وبين هذا وذاك خرجت تجربة جميلة عميقة ومؤثرة فى حياتى ومؤثرة ايضا فى الحركة الثقافية فى السودان.

    *أحيانا قد لا نختار المكان، وربما المكان هو الذي يختارنا، كيف بدأت خطواتك فى أستراليا؟
    أستراليا بلد جميل ومميز بهذه الثقافات المتعددة وقد كان هذا جانب محفز لى لمواصلة مسيرتى الفنية بوضع خطط تتناسب والتغيرات الجديدة المتعلقة بمخاطبة جماهير اخرى غير سودانية،قد تعرف أو لا تعرف على الاطلاق شيئا عن الفن السودانى.أعتقد بدأت خطواتى ثابتة وموفقة فى كثير من الخطط المرسومة لها فجاءت مشاركاتى فى منابر عديدة داخل وخارج مدينة سيدنى بالاضافة الى اتساع دائرة العمل لتشمل أكثر من حوارين فى اذاعتين مختلفتين وعبرهما تم بث بعض الاغنيات.

    *ماذا عن همومك داخل هموم التجسير الثقافى؟
    التجسير الثقافى واحد من الهموم الكبيرة التى أعمل على تحقيقه بشكل مرضى،وهو هم مشترك بين كل الأدباء والفنانين وذوى التجارب الأنسانية الثرية لخلق هذا التمازج بين الثقافات المختلفة لذا جاء تفكيرى فى كيفية تنفيذ الأعمال السودانية وتقديمها من قبل موسيقيين غير سودانيين والتى بالتأكيد ستحمل أحساسا وطابعا مختلفا مع الاحتفاظ بجماليات الموسيقى السودانية.هذا المزج يكون قادرا على جذب المستمع اليه،تعريفه به والبقاء فى ذاكرته كفن له خاصيته وأدوات جماله المتفردة.أهدف أن يتعرف الناس على الموسيقى السودانية بما تحمله من تلاقح أفريقى وعربى،وخصوصية السودان تحديدا بكم تعدده القبلى،اللغوى،الثقافى وحجم الموروث الذى يعطينا مسؤلية أكبر للمساهمة فى عكسه والاضافة اليه.

    *الى أى مدى يمكن للمبدع البقاء حيا ثقافيا فى بيئة ثقافية جديدة؟
    الى أبعد مدى طالما امتلك من الوعى ما يكفى للتخطيط والتفاعل عمليا مع بيئته الجديدة،وطالما أمتلك من القوة ما يجعله يتجاوز معوقات الانتقال الى مكان مختلف تماما والمشاعر السالبة التى قد تنجم عن الاحساس بالغربة أو تغير شكل الحياة فى المجتمع الجديد. فى أعتقادى هذا هو المحك الأكبر الذى يحدد أستمرارية العملية الابداعية من توقفها وكيفية هذا الاستمرار. الجيد أنه توجد هناك تجارب حية لمبدعين أنتقلوا الى بيئات جديدة لكن تمكنوا ليس فقط من مواصلة التجربة وأنما أثراءها بصورة عالية،فعالة ومتفاعلة مع المجتمع خصوصا مع توفر ظروف تساعد فى دفع العمل الابداعى بحرية تامة ودون قيود تعرقل من مسيرته وأكيد تجربتك عفيف هى أحدى التجارب الثرة والتى أعتبرها نموذجا لفعالية المبدع فى أى مكان.

    *د.ياسمين والانتقال السريع من من مؤدية مغنية فقط الى كاتبة للنص الغنائى ثم الى ملحنة للنصوص.أرجو أن تحدثينا بالتفصيل كيف تم هذا الانتقال الفذ؟
    كان هذا واحدا من أكبر أنجازاتى فى أستراليا،فقد درست الموسيقى هنا وكنت لا أملك حينها سوى معلومات بسيطة فى هذا العلم لكن خلال الدراسة تمكنت ليس فقط من قراءة الموسيقى وكتابتها بل أيضا تفجرت مقدرات لكتابة النصوص نفسها وتلحينها وكان هذا أحدى الأهداف الاساسية للدراسة أذ حدب القائمون على أمرها على أكتشاف المقدرات الكامنة للدارسين ،لفت نظرهم اليها ومن ثم يأتى دورنا بتوظيفها وتنميتها.لقد تم هذا الانتقال سريعا فعلا ووجدتنى أقوم بكتابة نصوصى وكتابتها موسيقيا،أى فى شكل نوتة موسيقية،وطبعا عفيف كان لك دورا كبيرا فى مناقشة تلك النصوص وتحليلها وما نسميه بورشة العمل المستمرة بيننا،كما كان لعبد اللطيف ضرارالموسيقى الفنان بكندا،دورا فى مناقشة الألحان وكيفية تطويرها،وكان كل ذلك حافزا لى للأنتاج ولتطويره.

    *تمتاز د. ياسمين بأختيار نصوص تنتمى الى النص الطازج فى الأغنية السودانية،هل يعود ذلك التأثر الايجابى لتجربة مجموعة ساورا؟
    ساورا أكيد لها دور بارز فى أختيارى للنصوص،لكن قبل ذلك نشأتى والبيئة التى ترعرت فيها كانت ذات أثر كبير.فقد فتحت عينى على عالم من الشعر والأدب مصدره والدى ابراهيم محجوب وجدى الحاج عبدالرحمن الذى كانت كل أمسية معه بمثابة منتدى ثقافى قائم بذاته،بكل ذاك التاريخ، الحكى الذى يسرده بسلاسة وجاذبية،و بمعين الشعر الذى يغمرنا به وبصوته الحلو وهو يلقى قصائده التى لحنها.أمى أمال الحاج عبدالرحمن والتى هى أيضا محبة للشعر وألقائه،ربت فينى حبا له وبالتالى كنت دائما مغرمة بقراءة الشعر والبحث عن الجديد فيه،والأبحار مع أخيلته ومعانيه لذا جاءت الأزمان التى توفر فيها العمل الثقافى الحر وسانحات التعرف على شعراء جدد،سماعهم وقراءة كتبهم،عاملا مثريا لذائقتى الأدبية. كم أحب أن أذكر هنا صديقى الأديب عبد العزيز بركة ساكن، أذ كانت سنين دراستنا فى مصر من أجمل السنين التى خلقنا فيها زمنا ممتدا لتناول كافة أنواع الأنتاجات الأدبية بالمناقشة والتحليل وتأسيس هذا الحوار الممتد بيننا،وبين مجموعة من الشعراء والأدباء المصريين الذين كانت المنتديات الأدبية عامرة بأعمالهم الابداعية.
    * تجربتك مع مجموعة النيل الأزرق بسيدنى؟
    مجموعة النيل الأزرق كانت البداية الأولى وقد اسسها الفنانان وليد الشوية وهاشم الشوية و تكونت من مجموعة من العازفين السودانيين ورغم البدايات الجادة الا أنها مرت بمعوقات حالت دون استمرارها..وعندما بدأت مشاركتى منفردة مع عازفين غير سودانيين بدأت باسم النيل الأزرق.التجربة مفيدة من ناحية أن الايجابى يملؤك حماسا ويدفعك الى تطويره أكثر والسلبى ايضا يجعلك تعيد تقييم ما تقدمه لتصلح أعوجاجه أو يمنحك فرصة رؤية أخرى قد تكون امتدادا لما تقدمه لكن بشكل مختلف أو برؤية جديدة تماما.أعتقد أن التقيم المستمر لما نقدمه،النظر للتجربة من بعد وأشراك الاخرين فى ابداء الرأى والنقد المؤسس هو واحد من عوامل النجاح،وهذا جزء من تخطيطى لجلسات الاستماع القادمة فى السودان حيث ستكون مشاركة شعراء وموسيقيين وكذلك الجمهور الذى سيستمع،يقيم ويدلى برأيه والذى دون شك يفيد تجربتى كثيرا.أنا أيضا ممتنة لكل الاصدقاء والناس الذين وقفوا معى سندا للتجربة ووضعوا كل الثقة فى نجاحها وليس أقل من شكرا.
    *ما هو تعريفك للغربة؟
    أفهم أن الغربة قد تكون غربة ذات وليس غربة مكان بمعنى أننا قد نعانى غربتنا ونحن داخل أوطاننا لكن فيما يخصنى،جاءت غربتى زمكانية أيضا حيث أنى أملك ارتباطا عميقا بالمكان السودان واعتقد أن أى لحظة تمر بعيدا من تلك الحدود الجغرافية هى خصما من زمنى الجميل وفى ذاكرتى الان عبارة الأديب واسينى الاعرج فى أحدى كتاباته حين قال "صدقنى ايها الوطن الذى يصعب نسيانه،يا طقوس الافراح الهمجية،أن لا شئ أجلب للألم مثل حبك".لكن هذا لا يعنى بالضرورة تكبيل مقدراتى على التوالف وبيئتى الجديدة وشحذ كل طاقاتى للخطو الايجابى بل قد تكون الغربة نافذة أوسع للأحلام فى ظل توفر ظروف انسانية أفضل و دافعا لتحقيق تلك الأحلام.
    *من خلال تجربتك بين أستراليا والسودان هل من وصفة عملية تجعل المبدع يواصل عطاء مشروعه الابداعى والتواصل مع جمهوره داخل الوطن؟
    العمل الابداعى لا يتوقف بالتغيرات المكانية لمن امتلك الوعى بذلك واعنى ما ذكرته مسبقا عن ضرورة التفاعل مع البيئة الجديدة،الاستفادة من الأدوات المعرفية،الثقافية والجمالية الجديدة،التخطيط الواعى لماهية العمل الابداعى نفسه،دوافعه وكيفية توصيله وأستمراريته،فالعمل الابداعى هو العمل الابداعى فى أية زمكانية طالما تأسست بنيته الجمالية والدلالية بقوة وطالما الهدف هو اثراء واقعنا الثقافى والتجربة الانسانية، تحريك الراكد واثارة الجديد.



ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
الساعة الآن 07:52 PM
Powered by vBulletin® Version 4.2.3
Copyright © 2020 vBulletin Solutions, Inc. All rights reserved.
Translate By Almuhajir
المواضيع والمشاركات في منتديات رفاعة للجميع تعبر عن رؤية كاتبيها
vBulletin Skin By: PurevB.com