صفحة 26 من 26 الأولىالأولى ... 1617181920212223242526
النتائج 251 إلى 258 من 258
  1. #251
    رفاعي مُتميز الصورة الرمزية محمد فتحي
    تاريخ التسجيل
    Jun 2010
    المشاركات
    1,411
    معدل تقييم المستوى
    11

    افتراضي

    الحلقة التاسعة والعشرون
    آويت إلى الفراش مبكراً بعد عشاء مهول من حيث الأصناف ردئ من حيث الأخراج , فقد طبخة إثنان من السجناء المضامين المحكوم عليهم بالمؤبد سألت أحدهم مداعباً .. وإسمه جادو
    - الدجاجة دى قطعتها بإيدك أم بسكين ؟
    - بسكين يا مولانا وأخرج سكينه من جفيرها المرصع بالفضة ..
    - الله !! من أين إشتريت هذه السكين يا جادو ؟
    - أسكت ساى يا مولانا السكين دى سبب التأبيدة الواقع فيها دى ..
    كيف ؟! شجعته على الأستمرار فى الحديث ...
    - أصلو محمد طاهر ود عمى سارح بالإبل معاى ,,, وكنا داك الليلة ... وتركته يفضفض ما فى قلبه من أشجان ... حسرات وندم , قتل إبن عمه من أجل سكين .. القتل يقع أحياناً دون سبب , وألتقط جادو القفاز وحدثنا عن رجل أسماه لنا وقال أنه وزميل له ركبا راحلة وراحا يجوبان الأصقاع وعندما يصلان أى قرية , يؤذن زميله فى الناس قائلاً (( يا ناس الحلة هذا فلان إبن فلان أرجل راجل فى البلد وعاوز ( مشاكل ) ... لو فيكم أشجع منه يطلع ليهو )) فيقولون له أذهب إلى قرية كذا وأسأل عن فلان إبن فلان فيذهبان فيقال لهما إن فلاناً هذا فى الزراعة أو مسافر , فيسميان لهما شخصاً آخر , وظلوا على هذه الحالة ردحاً من الزمن وأخيراً قالت لهم إمرأة فى إحدى القرى (( فلان إبن فلان أشجع من عشرة من أمثالكم , وهو يعمل مع أولئك النفر فى نظافة البئر التى أمامكم , فإذا أردتم حتفكم فأذهبوا إليه , وعندما إقتربا من القوم وأفصحا عن مرامهما , قالوا لهم إنتظرا لحظة , ودنا أحدهم من حافة البئر وأخبره أن شخصاً ما إدعىَ أنه أشحع منك وهو بإنتظارك لينازلك فى عقر دارك , هتف الرجل من الداخل : يتحدانى أنا ... أرميا لى بالحبل سريعاً وعندما إستلم الحبل لفه حول عنقه بدلاً عن وسطه من شدة تعجله للعراك , وطلب منهم أن يسحبوا الحبل إلى أعلى .. وعندما أخرجوه كان ميتاً تلقاء تلهفه شنقاً, قال الرجل الشرير لزميله لو خرج حياً لقضى علينا هكذا إبتدأ مولانا بشرى مداخلته بينى وبين المضمون .. الناس هنا لديهم حميه عجيبة مثلاً أحدهم قتل الآخر لأنه حين أراد مغادرة المجلس مستأذناً للأنصراف قال له زميله ... إتفضل ( مكانك أفيد لنا منك ) فما كان منه إلا أن إستدار وسدد له طعنة قاتلة أودت بحياته , وآخر قتل صديقه لخمسه قروش لا أكثر ماطله فى ردها ...
    ولكن لماذا يا مولانا كل هذا التهور , إنها مناسبات الأسواق .. فلكل قرية أو مدينة يوم يجتمع فيه الناس يبيعون أو يشترون وفى هذه الأسوق تتولد الخناقات .

  2. #252
    رفاعي مُتميز الصورة الرمزية محمد فتحي
    تاريخ التسجيل
    Jun 2010
    المشاركات
    1,411
    معدل تقييم المستوى
    11

    افتراضي

    الحلقة الثلاثون
    صورة أمي أفقدتنى صوابى وكان الرذاذ يزركش الكون فى ذلك الصباح المبلل , وأنا أقاوم كل رغبة فى الخروج من تحت البطانية , تخيلتها وهى(( تقلى )) البن كعادتها فى مثل هذا الوقت , ورائحته المميزة تنداح عبر غرف المنزل .. هكذا الوالدة , برنامجها اليومى غير قابل للتغيير , أول شئ تفعله بعد صلاة الصبح إعداد القهوة بكل طقوسها وثوابتها , وكأن لها جذور فى قبيلة ( البجا ) بشرق السودان , شقيقتى كسولة لا تصلح لفعل شئ وهى أكثر إنسان فى الدنيا بإستطاعته التهرب من العمل فهى إن كلفتها الوالدة بتوضيب الخضروات تأخذ منها هذه المهمة خمسة ساعات على الأقل وبذلك تضمن أنها لن تكلف بشئ آخر , وإن طلبت منها الوالدة (( عواسة )) الكسرة فهى لا تعرف (( العواسة)) ولديها حساسية من الدخان أما إذا قلت لها سنذهب للزيارة , زيارة أى ناس من الأهل فسوف تلاحظ أنها قد تحولت إلى بلدوزر ...
    وفكرت بالإتصال بالزملاء بالمصلحة لأطمئن عليها وقد مضى علىّ وقت طويل وأنا أحدق فى سقف المنزل الذى بناه الأنجليز , لعلهم كانو يتوقعون غارات الألمان تدهمهم فى هذا الجزء من العالم ...
    تجولت فى الحديقة المتواضعة والتى تحتوى صنف واحد أخضر وريقاته بنفسجية , لو سألت احد العاملين بالبساتين لقال لك إن إسمه ( هبسكس كمارا أو بتوليا سمبا رمبا ) .. أما إذا سألتنى فسأقول لك أنه موجود بكل مدرسة وكل داخلية وميدان عام تماماً كما ( العوير ) , توقفت لدى التلفون الأسود الخالى من الأرقام ولا أقراص له .. رفعت السماعة وجاوبنى صوت هامس من الجانب الآخر ..
    (( الترنك )) : صباح الخير يا مولانا ؟ ولكن كيف عرفت أننى بالذات أطلبك يا آنسة ؟ عفواً إذا سألت يعنى .. ؟! الموضوع بسيط يا مولانا فأنت حين ترفع السماعة يضئ الرقم الخاص بهاتفك أمامى فى البورد .. إعتذرت بأننى حديث العهد بالبلد , وقد وصلت البارحة فقط , همست فى رقة متناهية : لا عليك يا مولانا ... وأتمنى أن تعجبك ( الأبيض ).. وتبادلنا بعض عبارات المجاملة , وكان صوتها يغرى بعدم التفريط فيه , فسألتها عن كل ما أود أن اعرفه عن المدينة وكانت بين الحين والأخر تستأذننى (( لحظة خليك معاى ... نعم يا (أم روابه )أدخل على بثلاثة ... نعم يا ( سودري) أدخل على بإثنين ... )) ثم تعود لى مرة أخرى , طلبت منها أن توصلنى برقم الأستاذه منى فى المصلحة , فاعتذرت لى فى أدب جم بأن الخطوط مع الخرطوم معطلة اليوم .. لم أحزن كثيراً وتقبلت الأمر كشئ متوقع , وعلمت منها أن إسمها أمانى وهى ستكون طوال هذا الأسبوع فى الخدمة صباحاً , شكرتها ووضعت السماعة وبينما أنا أتوجه نحو الحمام كنت أدندن بصوت مسموع : الأمانى العذبة تتراقص حيالى ....

  3. #253
    رفاعي مُتميز الصورة الرمزية محمد فتحي
    تاريخ التسجيل
    Jun 2010
    المشاركات
    1,411
    معدل تقييم المستوى
    11

    افتراضي

    الحلقة الواحدة والثلاثون
    كبير القضاء رابض فى مكتبه كأنه أسد عجوز وهو رجل له أُسلوبه الخاص فى عمله كقاضى , إذ يؤمن بأن القاضى يجب أن يظل بعيداً تماماً عن المجتمع حتى يتمكن من إصدار أحكامه دون محاباه لذلك حين دعانا لتناول الأفطار فى منزله الفخم , لم يكن هنالك من الأشخاص سوانا أنا ومولانا بشرى , قدم لى محاضرة فى الأخلاق وسلوكيات المهنه (( Ethics of job)) خرجت من فمه وكأنه تشرشل , من أين لهؤلاء الناس بهذه الأنجليزية التى يتحدثونها كما يتنفسون وبنطق يعجز عنه شكسبير , وأخطر من هؤلاء أرباب المعاشات .. تجد الواحد منهم جاثٍ أمام طاحونة ويحدثك عن (( آرثر كونان دويل )) لكنك حين تراه تشك بأنه يعرف كيف يفك الخط .
    * * * *
    يبدو أننى سأغادر خانة القاضى إلى خانة المحامى فى أقصر وقت ممكن , فأنا لم أخلق لكل هذه الصرامة , وكل هذا الأنزواء .. معقول أعيش بدون حب .. إننى كشجرة الجميزة العتيقة تحتاج للماء فى كل المواسم , ووظيفتى كقاضى ستقيدنى بإمور لا قِبل لى بها , وهذه الكتابة الكثيرة والحيثيات التى لا تنتهى ... محامى شاطر ذلك هو البديل الأمثل ... لم أجد كثير عناء فى العثور على دكتور ضمره , إقتحمت عليه مكتبه بالمستشفى ووجدت أمامه فتاه رائعة الجمال , وبعد السلام والأحضان والأسئله عن كل شئ فطن إلى (( افروديت )) الواقفة أمامه وقدمها لى سستر منال ... وهبه صديقى اللدود من الثانوى .. إستأذنته منال فى الأنصراف , وعلمت فى ما بعد أنها محط أنظار جماهير (الأبيض) إلا أنها تنأى عن الجميع كسيف مغروز فى قلب الصحراء , وتقول عيناها الذكيتان لكل من يتجاسر ويدنو منها .. إحترس ممنوع الأقتراب .. قابل للألتهاب .

  4. #254
    رفاعي مُتميز الصورة الرمزية محمد فتحي
    تاريخ التسجيل
    Jun 2010
    المشاركات
    1,411
    معدل تقييم المستوى
    11

    افتراضي

    الحلقة الثانية والثلاثون
    عندما دخلت على بهاء الدين فى دكانه الذى يتوسط سوق الأبيض لم يتعرف علىَ من أول وهله وبرغم ذلك سلم على سلاماً حاراً وأكثر من ترديد عبارة الجماعة كيف ؟ وفرت عليه معاناة التذكر عندما تكون أمام تاجر عقله ممتلئ بحسابات الربح والخسارة وعرّفته بنفسى .. ود الحاجة .. ومرة أخرى أخذنى بالأحضان , وقلت له الآن عبد الوهاب أو وهبه مفهوم يا بهاء ؟ .. وماذا تعمل فى الأبيض .. نقلت للعمل بالأبيض .. وفى أى مصلحة .. المديرية ؟ لا .. بل القضائية أنا الأن القاضى الجزئى ..
    - قاضى , قاضى عديل ؟!
    - نعم يا بهاء .. لكن يامولانا .. تعلثم ويبدو أنه لم يكن مهيئاً لهذه المفاجأة , لقد تركنى وأنا موظف فى الدرجة العاشرة ألف ممتدة .. كمال (( الله يرحمه )) يسميها (( Group ten extended)) وكان لا ينفك يحتج على بطء الترقيات من درجة لدرجة , وكان طموحه أن يكون موظفاً فى (( D.X)) ولكن ياكمال ما دخل ماركات العربات فى درجات الخدمة المدنية .. إعتدل فى جلسته وقال لى بلهجة المعلم .. شوف يا أفندى ما أصلوا فى درجات بتركب عربات .. وفى درجات بتركبك الهواء .. أررركب الهواء .. !! ياكمال .. حاسب قلبت المكتب خشبة مسرح .. بالمناسبة دى يا صديقى طبعاً معظم الممثلين أصحابك .. صاح ؟!! نعم .. نعم .. ممكن تقول ليهم يمثلوا بدون زعيق وضجيج .. وأنت معظم المدراء .. مدراء عليك .. صاح .. نعم .. نعم .. ممكن تقول ليهم ما يصرخوا فينا .. وأمضيت سحابة ذلك النهار مع بهاء , إذ أننى لم أستلم عملى بصفة رسميه , وكان جرس التلفون يرن بإستمرار وهو يرد على هذه ويقول لتلك أن بهاء غير موجود بعد أن يغير صوته وبين الفينة والفينة يهمس الساعى الذى يعمل معه فى إذنه بأن فتاة بالفرندة تريد محادثته , ويستأذن منى ويخرج للتحدث إليها , ثم يعود بإنفعالات شتى وفقاً لوضعية الفتاة على خارطة إهتماماته , ثم أجرى عدداً من المكالمات التلفونيه مع أصدقائه يخبرهم بأن أبن عمته القاضى قد وصل الابيض ويدعوهم للعشاء اليوم .. حتى قبل أن يأخذ موافقتى .
    * * * *
    فاجأتنى أمانى عند الظهيره عبر الهاتف وقالت لى فى رقة متناهيه : كلم الخرطوم يا مولانا .. وكنت قد أعطيتها رقم هاتف منى , وأمسكت بالسماعة وأعصابى مشدودة وظل الجرس يرن بلا هواده دون أن تحدث معجزة فترفع الأستاذة منى سماعة التيلفون , عادت إلى أمانى مجدداً وقالت إن الرقم لا يرد ... هل لديك رقم آخر ؟ وبعد تردد شديد أعطيتها رقم فوزية فى المكتب السرى , فوزيه رفعت السماعة كأنها تنتظر مكالمة من أحد وعندما تعرفت على صوتى جُن جنونها وصارت تردد وهبه ما معقول مولانا مامعقول ... سألتها عن أحوالها فبكت ولم تستطيع الرد على أى سؤال ثم وفجأة إتخذت قراراًخطيراً دون سابق تمحيص .. إسمعى يا فوزيه ... إعتبرى ما كتبته لك فى خطابى لاغياً , وأننا مازلنا مخطوبين لبعض , وكنت أتحدث وحدى وكأننى أحاور الجدار الذى ينتصب أمامى , وأنا أرتجف من الأنفعال , سآخذ إجازة محلية فى أقرب وقت لتقديم الشبكة , وعندما وضعت السماعة تذكرت أننى لم أسألها عن الوالدة ولا حتى تلميحاً بالرغم من أنها كانت وراء المحادثة أصلاً ...غايتو البنات دول !!!

  5. #255
    رفاعي مُتميز الصورة الرمزية محمد فتحي
    تاريخ التسجيل
    Jun 2010
    المشاركات
    1,411
    معدل تقييم المستوى
    11

    افتراضي

    الحلقة الثالثة والثلاثون
    كانت ليلة صاخبة بحق , أعد لها بهاء الدين إعداداً رهيباً فقد تابعته منذ الصباح , وهو يهئ مكان الحفل على المصطبة الأسمنتية التى إمتشقت باحة المنزل , وكان الأستاذ (( نظام )) كما يسمونه يوجه العمال يمنة ويسرة , وقد أسماه الموظفون بهذا الأسم لتخصصه فى إعداد السهرات وتنظيمها , بدءاً بمسرح السهرة وإنتهاء بذبح الخراف بمستوى يفوق زوجات الموظفين .. سهر القوم وغنوا وشربوا وطعموا , وأرسلوا النكات والتعليقات , وكنت أجلس بينهم كحجر تدحرج من قمة الجبل , ليسكن فى قارعة الطريق , فارق الهواء الطلق والسكون المطلق واستقر حيث الضجيج والغبار , وتسللت دون أن يلاحظ غيابى أحد وتوجهت إلى غرفتى بالمنزل وقد وجدت مولانا بشرى وهو يأز المكان أزاً بشخيره القوى , أكلت قطعة من الجبن وشربت كوباً من الماء المثلج , أنا الذى مدت الموائد هكذا أحسن ... إذا لم أعد كما فى الماضى ملكاً لنذواتى فأنا أمثل العدالة وأمسك بمعايير العدل فكيف أسمح لنفسى بشرب الخمر أو مخاصرة بائعات
    الهوى ...
    * * * *
    وبحثت عن النوم , أين هو ؟ ولم يهرب منى وكنت فيما مضى الخالى من الشجن .. أرهقتنى الأوهام والتراهات ورمت بى الأقدار فى حضن العذاب تنهدات فوزيه تؤرقنى وصورة الأستاذة منى تعترينى وكمال يوحشنى كأمى .. كل الذين أحببتهم باتوا هم مثار عذابى وتعذيبى وليت الأمر يتوقف عند هذا أو ذاك وهذه أو تلك , من منهم لا يعذبنى , غاده التى أسعدتنى ثم عادت فخذلتنى أم سميرة التى أخذوها من أمام نظرى كأى جارية أم الأستاذة منى ؟ والتى كم أتمنى أن يصل الأمر بينها وبين خطيبها الدكتور صلاح لدرجة القطيعة حتى تلوح ولو مجرد بارقة أمل فى الوصول إلى مراسيها الستعصية , أم فوزيه الموزعة على مسامى والمتوزعة بينى وبين عفراء , أم ماريا الساحرة المسافرة بل حتى سستر منال بزركشاتها الأسطورية , وأمانى بوشوشاتها التى ترجنى رجاً كاعصار لا يرحم , وأين أنا من جميع هؤلاء ؟ .. لك الله أيها القلب المطعون حتى الهذيان ...

  6. #256
    رفاعي مُتميز الصورة الرمزية محمد فتحي
    تاريخ التسجيل
    Jun 2010
    المشاركات
    1,411
    معدل تقييم المستوى
    11

    افتراضي

    الحلقة الرابعة والثلاثون
    إنتهت الضيافة كأروع ما يكون رحلة شبابية منقطعة النظير إلى حدائق ( البان جديد) بدعوة من دكتور ضمره إلتقيت فيها على عكس ما توقعت بشباب من الجنسين مثقف بمعنى الكلمة, ومنهم تفهمت عشق ( نزار قباني ) لدى زيارته إلى المدينة , عندما وجد نسخ روايته بحقائب تلاميذ المدارس فأسماها مدينة الشعر , كذلك حفلات شاى هنا وهناك , فالناس هنا يحتفون بكل قادم للعمل بغض النظر عن نوع المهنة التى يؤديها .. فى يوم الخميس سهرت مع (( أم كلثوم )) وهى تغنى بالمسرح القومى بأم درمان عبر الراديو , هذه ليلتى وحلم حياتى ... بين ماضٍ من الزمان وآت , الهوى أنت كله والأمانى , فأملأ الكأس بالغرام وهات , بعد حين يبدل الحب دارا والعصافير تهجر الأوكارا وديار كانت قديماً ديارا , سترانا كما نراها غفارا ... إذن الشاعر مثلى يخشى تسرب الأيام من بين أيدينا كتسرب الماء من بين أصابع الأيدى , وهاجس الزمن يلحُّ علّى إلحاحاً شديداً بأن أستعجل الزواج من فوزيه , إذ كيف يحتضن الأنسان الفراغ واللاشئ .. وتلك الرقيقة فى متناول اليد ... كأنى بها تردد مع أم كلثوم ... سوف تلهو بنا الحياة وتسخر .. فتعال أحبك الآن أكثر .
    * * * *
    إنهمكت بكل حواسى فى عملى كقاضى , لا سيما وعدد القضاء فى الأبيض لاشئ قياساً بالكم الهائل من القضايا , ومن خلال عملى طبقت منهجى الذى أومن به فى الحياة ... السماح والستر والرأفه , وكنت فى الماضى أتعجب من المقوله المشهورة :
    : " Laws are made to be broken (
    وسرعان ما شاع إسلوبى فى الأحكام , فإذا بكل المحامين يتمنون ان تنظر القضايا التى يترافعون فيها بواسطتى , لكننى فى الوقت ذاته ما كنت لأفرط فى حقوق متخاصم لصالح آخر عندما تتعلق الحقوق بالافراد ولم اكن ألق بالاً لحقوق الدولة المنصوص عليها ضمناً فى القوانين فى حالة تعارضها مع الظروف الانسانية وقد ساعدنى كبير القضاء فى زيادة حصيلتى من المعرفة والتجارب واكتشفت أنه موسوعة متحركة فى مجال القوانين , واطلاعاته الواسعة على خصائص المجتمعات بالسودان سواء بالريف او الحضر برغم معاناته كثيراً من الامراض ( كالسكرى ) فهو بالكاد يشرب الشاى بدون سكر ولا يأكل اللحوم بحجة انها تزيد من آلام ( القاوت ) وأشياء مثل الكولسترول فى الدم .. هل هى ثقافة جديدة وفدت الينا ام مصائب حلت بنا .. فانا لوحدثت الوالدة عن مثل هذه الاوهام لضحكت حتى وقعت على قفاها .. المرحوم كمال قال إن أحد أقاربه مريض بالسكرى وعندما فحص حالته آخر مرة وجد عنده ( سبعة صلايب ) .. غادة كانت حاضرة فسألته بتهكم ليه اصلو كنيسة القديس ( جرجى زيدان ) ؟! .. كمال رد عليها بسخرية لاذعة .. جورجى زيدان يا متخلفه , هل توجد كنيسة بهذا الاسم , جورجى زيدان هذا كاتب مصرى يا آنسه , يوم داك فى الرحلة عندما سألوك عن كاتبة عربية تعجبين بها .. قلت احسان عبد القدوس .. الحقيقة لا وقت لديك للثقافة وانت تبعزقين المرتب الشهري بين محلات ( الجوهرة ) وكوافير مدام ريرى ...
    غادة لم تستسلم وردت عليه بجملة من الاسئلة .. انت تفهم شنو فى الكنائس والاناجيل وإلا اتحداك ان تقرأ لى آيه واحدة من التوراة أو الإنجيل .. كمال تلغثم وأُسقط فى يده , وواصلت غادة ضغطها عليه واخرجت جنيهاً من حقيبتها وتحدته قائلة : هذا الجنيه عشانك اذا قرأت آية الكرسى .. وانتهت الجولة لصالح غادة وهمهم كمال بكلام غير مفهوم وهو يغادرنا , ما معناه ان وجوده بهذه المصلحة لا يشرفه فى شئ ...

  7. #257
    رفاعي مُتميز الصورة الرمزية محمد فتحي
    تاريخ التسجيل
    Jun 2010
    المشاركات
    1,411
    معدل تقييم المستوى
    11

    افتراضي

    الحلقة الرابعة والثلاثون
    خرجت من المحكمة لاجد مظروفاً بحجم المخدة موضوعاً على درج مكتبى ومن الوهلة الأولى بدأ وكأنه مرسل من خارج السودان ولعله كان على عنوان المصلحة وهاهو يرسل الى عنوانى بالابيض فضضته بحب إستطلاع وتوجس وكانت فرحتى كبيرة إذ كان الخطاب من زميلى بالجامعه نجم الدين عثمان وقد ارسله من السعوديه , وقد حكى لى كيف انه تزوج من سامية بعد التخرج مباشرة وان والدها المسئول الكبير بالجيش قد اوجد له عملاً بإحدى الشركات بمدينة جدة وهو قد صار محل ثقة كبيرة بالنسبة لصاحب الشركة وكان سعودياً شهماً جم التواضع كما وصفه لى واوضح لى كيف انه تمكن من اقناعه بتعيين مستشار قانونى للشركة ولم يكن ليجد أفضل منى لهذا المنصب , وكان عملياً جداً اذ ارسل لى مع المظروف عقد عمل براتب شهرى لا بأس به وامتيازات اخرى ترضى تطلعاتى على الاقل فى هذه المرحلة , ووجدت فى هذا العرض الذى هبط علىَ من السماء فرصة فى الزواج من فوزية , ومن ثمَ اصطحابها معى وطفلتها عفراء والخروج بهما من دوامة المضايقات التى يحاصرهم بها اعمام عفراء وقعت على العقد بالموافقة وأعدته بخطاب رقيق أشكر فيه صديقى اللدود نجم الدين الكارثه , وابتدرت الخطاب بعدد من الاقوال المأثورة رداً على صفحة كاملة من الحكم والاقوال جاءت فى صدر رسالته , وكانت هناك فقرة فى العقد تشير الى سريانه بمجرد توقيعى عليه مع مهلة اسبوعين لاستلام العمل ...
    كانت مفاجأة حقيقية للجميع خاصة مولانا بشرى ودكتور ضمرة والذين كانوا يحتفلون بحضورى للابيض فى حفلات وداع صغيره وغير مرتبة , وعندما وصلت الخرطوم ودخلت على الحاجة الوالدة بدت وكأنها فى حلم .. اخذتنى بحنان الام الرؤوم الذى لا تشوبه شائبة وأغرقت وجهى بالدموع وشعرت ساعتها اننى مهما اشتاق لهذه الرائعة فلن يكون اكثر من ارهاص أمام عاصفة من المحبة ...
    * * * *
    هل سأصبر حتى الغد لاذهب الى فوزية ؟ لا داعى للتمثيل يا وهبة وحتى لو أن الساعة هى الثامنة مساء فأنت فى مهمة تاريخية بالنسبة لك تؤكد فيها عزمك على الزواج من فوزية وتحدد المواعيد حتى تكون وهى بجده فى الموعد الذى ينص عليه عقد العمل ,كان سرورها عظيما وجلست امامى كحمامة بيضاء وفى حجرها تكومت عفراء كقطة سيامية ولعلها ادركت بحسها الطفولى ان هذ الغريب الذى قطع (( نومتها )) يمثل الكثير بالنسبة للماما , لعلها فوجئت بالوتيرة التى تتسارع بها الامور .. زواج ؟ فى اسبوع ؟ وسفر للسعودية مع عفراء .. وبالرغم من عظم المسئولية الجديدة لم تنس ان تخبرنى وهى تزفنى حتى الباب بأن السيد مصطفى زوج غادة يرقد طريح الفراش فى حالة صعبة وهو أقرب للمشلول , وتعود قصة مرضه الى ابنته فاطمة التى حينما عادت من شهر العسل المطول مع زوجها , فوجئت بغادة وهى تحتل مكان والدتها , فدار بينهما نقاش حاد اتهمت فيه فاطمة غادة بأنها انتهازية .. وانها وانها .... ثم اشتبكت معها بالايدى فى معركة هائلة كانت الغلبة فيها لفاطمة , ومنيت غادة المسكينة بـ ( علقة ) رهيبة .. وعندما عاد السيد مصطفى من مشوار له خارج المنزل , وجد غادة فى حالة يرثى لها , وقد انبثقت الدماء من وجهها الذى مزقته فاطمة بأظافرها فلم تتمالك أعصابه المفاجأة خاصة بعد أن علم ان المتسبب هو أبنته فاطمة ودخل فى ( كوما ) طويلة افاق منها وهو فى حالة مزرية من الضعف والإنكسار وخيبة ألامل ....

  8. #258
    رفاعي مُتميز الصورة الرمزية محمد فتحي
    تاريخ التسجيل
    Jun 2010
    المشاركات
    1,411
    معدل تقييم المستوى
    11

    افتراضي

    الحلقة الأخيرة
    هل سأقصر فى الواجب ...؟ إن زيارتك لمنزل السيد مصطفى واجب تمليه عليك اسس العرفه والملح والملاح ... حتى أن فوزية هى التى إقترحت عليك ذلك .. كنت اطمئن نفسى حتى اجد المسوق الاخلاقى فى زيارة غادة على هامش معاودة زوجها .. هل فى هذا شئ ؟ أم انه الجرح القديم الذى يأبى أن يندمل حتى مع وجود الرائعة فوزية والتجربة والتعقل الذى ران عليك وانت تؤدى وظيفتك كقاضى ...
    كانت عيناها وهى تستقبلنى عند الباب تقولان لي( اهو أنت كدا يا وهبة )... لا تنسانى ولا تترك لى الفرصة لنسيانك ولكنك كالعهد بك تظهر فى وقت الشدة ثم تذوب فى بحر الحياة العريض فلا نعرف لك أثر ....
    شكرنى السيد مصطفى على الزيارة وسألنى عن أسماء بعينها فى الابيض يمتون له بصلة قرابة وكانو من كبار التجار هناك ... وفى لطف شديد رجانى .. ان كان ذلك لا يأخذ من وقتى الكثير ان استقبل ( ماريا) ابنته العائده من المانيا بالمطار مساء نفس اليوم .. وان امهد لمرضه لديها .. وطبعاً وافقت على القيام بهذه المهمة , لقد جاءت فى الوقت المناسب خاصة بعد سفر شقيقها الى امريكا حيث يعمل , ولو انها فترة اجازة قصيرة تعود بعدها لمواصلة دراستها .. ولم أجد اى صعوبة فى التعرف عليها ضمن القادمين , وكنت قد تصورت انها سوف تنزل من سلم الطائرة وهى ترتدى ( جينز ) ممزق ومتسخ وتنتعل حذاء حتي الركبة وقميص كابويات كأى سائحة ولكننى سررت عندما وجدتها وقد جاءت بالثوب السودانى وباحتشام يفوق الخيال , وكأنها ملاك يهبط الى الارض , وجانب من القران الكريم بدا واضحاً من ( الهاندباق ) .. لعلها كانت تتلو كتاب الله اثناء ساعات الرحلة الطويلة من فرانكفورت حتى الخرطوم .. وهل بغير ذكر الله تطمئن القلوب ؟ !
    عرفتها بنفسى واخذتها الى عربة والدها التى كانت بانتظارها مع السائق وهونت عليها مرض والدها , ولدى درج باب منزلهم تركتها وانا لا اكاد اواجه صفحة وجهها الذى يبرق مثل ( يراعة ) فى امسية خريفية ...
    * * * *
    سارت إجراءات سفرنا جنباً الى جنب مع اجراءات الزواج واجراءات اخرى ... هى قضية حضانة عفراء وكسبنا كل شئ .. كسبنا بمنطق الحاجة الماسة لدى عفراء لامها وهى فى هذه السن ... وكان عرساً خرافياً حضره الاهل من الجزيرة بخيلهم وخيلائهم .. ومرة اخرى والطائرة تستدير فوق الخرطوم باتجاه مدينة ( جده ) , اكتحلت عيناى برؤية تلك الربى الحبيبة الى نفسى اذ لربما يطول الغياب هذه المرة .

    تمت بحمد الله


ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
الساعة الآن 04:59 AM
Powered by vBulletin® Version 4.2.3
Copyright © 2019 vBulletin Solutions, Inc. All rights reserved.
Translate By Almuhajir
المواضيع والمشاركات في منتديات رفاعة للجميع تعبر عن رؤية كاتبيها
vBulletin Skin By: PurevB.com