عادل الريح
02-26-2006, 01:06 PM
لم يزعجني خبر تفشى أنفلونزا الطيور في أفريقيا - وكان وصلتنا في السودان نعتبرها حاجة طبيعية جدا ، ذلك إننا عرفنا هذا المرض قبل العالم كله، وكنا نمر يوميا على (الكوش) في الأحياء ونجد فيها كميات من الدجاج القي بها أصحابها بعد أن فارقت الحياة، هذه الظاهرة كانت تجتاح المدن والقرى في منطقتنا في وقت معين، وكنا نسمع أهلنا يطلقون عليها (مرض سمير )، ومرات (الهيم)، ولان تربية الدجاج كانت تتم في كل منزل، كان الجيران يتوجسون خيفة من أن تنتقل عدوى (سمير) لهم وتقضى على دجاجهم، وفي أيام سوق رفاعة (الخميس والاثنين) والذي كان يأتي إليه أهلنا من كل الضواحي حول مدينة رفاعة، كان سوق الدجاج من أنشط الأماكن حركة بيعا وشراء،حيث كان أهلنا في تلك القرى يأتون بالدجاج والبيض لبيعه في السوق وشراء ما يحتاجونه من مستلزمات في ذلك الزمن، وكانت وسيلة المواصلات الوحيدة اللوري ، وكان لكل قرية (لوري) خاص بها، يحزم أهل القرية خيرات منطقتهم من ذرة ، ودخن ، وويكة وغيرها ، وكانت كل (اللوارى) تأتي محملة بالبشر وأنواع الحيوانات المختلفة التي يودون بيعها في السوق، وكنا نشاهد الدجاج وهو مربوط بين زوايا (اللوري)، وكلما شاهدنا (لوري) وقد امتلأت زواياه بالدجاج تسابقنا نحوه لشراء الدجاج بغرض تربيته في المنزل، وهى عادة كانت سائدة ذاك الوقت، واذكر أيام اشتداد مرض (سمير) كان الأباء والأمهات يوصونا بعدم شراء الدجاجة التي تظهر عليها مبادئ المرض والتي منها سيلان لعاب الدجاجة (الرياله)، أو التي يكون جسمها ميت (حيلها ما شاديها)، كنا نلتزم بهذه التوجيهات حتى لا يتسبب (سمير) أقصد (انفلونزا الطيور) في كارثة مالية لنا، لان ثمن الدجاجة في ذلك الوقت كان حاجة كبيرة، وكان الدجاج عنده قيمة، وكنا نحن الفقراء نربيه ليستمتع ببيضه ولحمه الأغنياء، وحين يطل مرض (سمير) أسف (انفلونزا الطيور) كنا نفرح ، لأننا نستمتع فيه بأكل الدجاج وتذوق لحمه الأبيض الشهي شي (دمعه) و شي (محمر) (الوقت داك ما عرفنا المشوي) وكانت كل دجاجة تبدو عليها أعراض المرض لا أمل لها في الحياة، وكنا نجلس أمام أبواب الغرف نراقب الدجاج وهو يتجول في حوش المنزل، وكل واحده تسقط على الأرض نبلغ عنها الوالدة التي كانت تأتي مسرعة وهى تحمل السكين لتذبح الدجاجة قبل أن تفارق الحياة، وكان المشهد يتكرر سنويا، وكانت الدجاج في مديتنا ينفوق بكميات هبل ، وكان له مسكن خاص به في أحد زوايا المنزل، وهى عادة سائدة حتى اليوم، ومع ذلك لم نري سلطات صحية تحذر أهلنا بالخطر، ولم يخرج عليهم في التلفزيون شيراك ليحثهم على أكل لحوم الدجاج، وهذا الصمت من حكومتنا حيال هذا المرض الفتاك ليس بمستغرب!!! فهم يعرفون أن هذا المرض هو صديقنا (سمير) الذي أصبح في عصر العولمة (إنفلونزا الطيور)، وهو وأحد الأمراض صديقة البيئة السودانية، والتي منها (الكوليرا عجور)و(الملا ريا باعوض).