المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ذكري الشهيد الاستاذ محمود محمد طه ال 28


صبري الشريف
12-16-2012, 05:57 PM
مولده ونشأته
ولد الاستاذ محمود محمد طه فى مدينة رفاعة بوسط السودان فى العام 1909م تقريبا، لوالد تعود جذوره الى شمال السودان ، وأم من رفاعة ، حيث يعود نسبه الى قبيلة الركابية من فرع الركابية البليلاب نسبة الى الشيخ المتصوف حسن ود بليل من كبار متصوفة السودان.
توفيت والدته – فاطمة بنت محمود - وهو لماّ يزل فى بواكير طفولته وذلك فى العام 1915م تقريبا، فعاش الاستاذ محمود وأخوته الثلاثة تحت رعاية والدهم ، وعملوا معه بالزراعة ، فى قرية الهجيليج بالقرب من رفاعة، غير أن والده لمّا يلبث أن التحق بوالدته فى العام 1920م تقريبا، فانتقل الاستاذ محمود وأخوانه للعيش بمنزل عمتهم برفاعة.
الخلوة

بدأ الاستاذ محمود تعليمه بالدراسة بالخلوة ، وهى ضرب من التعليم الأهلى ، كما كان يفعل سائر السودانيين فى ذلك الزمان ، حيث يدرس الاطفال شيئا من القرآن ، ويتعلمون بعضًا من قواعد اللغة العربية ، غير أن عمته كانت حريصة على الحاقه وأخوانه بالمدارس النظامية ، فتلقى الاستاذ محمود تعليمه الاوّلى والمتوسط برفاعة . ومنذ سنى طفولته الباكرة هذه أظهر الاستاذ محمود كثيرا من ملامح التميز والاختلاف عن أقران الطفولة والدراسة ، من حيث التعلق المبكر بمكارم الاخلاق والقيم الرفيعة ، الأمر الذى لفت اليه أنظار كثير ممن عاش حوله.
كلية غردون ودراسة الهندسة

بعد اتمامه لدراسته الوسطى برفاعة أنتقل الاستاذ محمود في عام 1932 الى عاصمة السودان ، الواقع حينها تحت سيطرة الاستعمار البريطانى ، وذلك لكى يتسنّى له الالتحاق بكلية غُردون التذكارية ، وقد كانت تقبل الصفوة من الطلاب السودانيين الذين أتّموا تعليمهم المتوسط ، حيث درس هندسة المساحة. كان تأثيره فى الكلية على محيطه من زملائه الطلبة قويا ، وقد عبر أحد كبار الأدباء السودانيين عن ذلك التأثير بقوله: ((كان الاستاذ محمود كثير التأمل لدرجة تجعلك تثق فى كل كلمة يقولها ! ))
السكك الحديدية والنضال السياسى

تخرج الاستاذ محمود فى العام 1936م وعمل بعد تخرجه مهندسًا بمصلحة السكك الحديدية ، والتى كانت رئاستها بمدينة عطبرة الواقعة عند ملتقى نهر النيل بنهر عطبرة ، وعندما عمل الاستاذ محمود بمدينة عطبرة أظهر انحيازًا الى الطبقة الكادحة من العمال وصغار الموظفين ، رغم كونه من كبار الموظفين ، كما أثرى الحركة الثقافية والسياسية بالمدينة من خلال نشاط نادى الخريجين ، فضاقت السلطات الاستعمارية بنشاطه ذرعًا ، وأوعزت الى مصلحة السكة حديد بنقله ، فتم نقله الى مدينة كسلا فى شرق السودان فى العام 1937م ، غير أنّ الاستاذ محمود تقدم باستقالته من العمل في عام 1941، وأختار أن يعمل فى قطاع العمل الحر كمهندس ومقاول ، بعيدا عن العمل تحت امرة السلطة الاستعمارية.
كان الاستاذ محمود فى تلك الفترة المحتشدة من تأريخ السودان ، وفى شحوب غروب شمس الاستعمار عن أفريقيا ، علما بارزا فى النضال السياسى والثقافى ضد الاستعمار ، من خلال كتاباته فى الصحف ، ومن خلال جهره بالرأى فى منابر الرأى، غير أنّه كان مناضلا من طراز مختلف عن مألوف السياسيين ،حيث كان يمتاز بشجاعة لافتة ، لا تقيدها تحسبات السياسة وتقلباتها ، وقد أدرك الانجليز منذ وقت مبكر ما يمثله هذا النموذج الجديد من خطورة على سلطتهم الاستعمارية ، فظلت عيونهم مفتوحة على مراقبة نشاطه.
زواجه وأبناؤه

تزوج من آمنة لطفى عبد الله ، وهى من اسرة لطفى عبد الله العريقة النسب والدين ، والتى تنتمى لفرع الركابية الصادقاب ، وقد كان زواجهما فى أوائل الأربعينات من القرن الماضى . كان أول أبنائه (محمد) وقد نشأ فى كنف أبويه متفردا بين أترابه ، غير أنه ما لم يكد يخطو نحو سنى الصبا حتى غرق فى النيل عند رفاعة فى حوالى عام 1954، وهو لما يتعد العاشرة من عمره ، وقد صبرت أمه آمنة على فقده صبرا عظيماً . كان الاستاذ محمود وقتها خارج رفاعة ، فعاد اليها عندما بلغه الخبر ، وتلقى العزاء فى أبنه راضيا ، قائلاً لمن حوله: لقد ذهب أبنى لكنف أبٍ أرحم منى!
له من الابناء بعد أبنه (محمد) بنتان هما (أسماء) ، و (سمية) .

نوارة
12-16-2012, 07:32 PM
كان أول أبنائه (محمد) وقد نشأ فى كنف أبويه متفردا بين أترابه ، غير أنه ما لم يكد يخطو نحو سنى الصبا حتى غرق فى النيل عند رفاعة فى حوالى عام 1954، وهو لما يتعد العاشرة من عمره ، وقد صبرت أمه آمنة على فقده صبرا عظيماً . كان الاستاذ محمود وقتها خارج رفاعة ، فعاد اليها عندما بلغه الخبر ، وتلقى العزاء فى أبنه راضيا ، قائلاً لمن حوله: لقد ذهب أبنى لكنف أبٍ أرحم منى!

ياريت تحكي لينا عن ما حدث بعد سنة من غرق إبنه... وإذا كنت صغير فى السن ولم تشهد ذلك الحدث فأسأل كبارك وتعال أحكي لينا..

صبري الشريف
12-16-2012, 08:26 PM
الاخت نواره

تحياتي الطيبة

لو لديك اي معلومة اتمني وضعها

عن نفسي لا اعرف ما تم انذاك سواء ان الاستاذ قد صبر علي غرق ابنه البكر والوحيد

صبرا استشهد به دكتور منصور خالد في كتبه عن ورع ووحدانية الاستاذ ومحبته للقضاء والقدر

عزيز على موسى
12-18-2012, 05:49 PM
الاخت نواره
حقيقه ياريت تروى ما حدث ليس لاى سبب غير التاريخ بل وتاريخ رفاعه بالتحديد فأنا مهتم بتاريخ رفاعه جدا واتمنى ان اضيف لمعلوماتى الكثير

صبري الشريف
12-20-2012, 03:30 AM
الاخ عزيز

تحياتي

معاك انتظر رد الاخت نواره بما تعرفه او ما سمعته


لك الشكر

ابوزاهر
12-20-2012, 06:05 AM
عن أي ذكرى وأي شهادة تتحدث ؟؟؟!!!

رجل يقول :

يمكن للانسان أن يصل مرحلة يكون فيها سمعه سمع الله وبصره بصر الله ويكون الله ... ويقول أن الصلاة قد رفعت عنه وغيره كثير من باطل القول ...

ليس جديرا بأن يذكر في دنيا الناس ..

فقد هلك وأرتاح الناس منه ومن عقائده ومفاهيمه الفاسدة ..

أما سير النبلاء الذين حفظوا الله وحدوده وجاهدوا لأجل أن تكون كلمة الله هي العليا فأولئك جديرون بأن يكتب التاريخ فيهم المؤلفات والمراجع قبل ذكرى الناس لهم بالخير

أما آن لك أنت أن تتوب وترجع إلى ربك قبل أن يدركك الموت وأنت تعتقد عقائد العلمانية وتنتهج مناهج الجمهورية وتسبح في الباطل معهم حيث يسبحون ..

تب إلى الله ..

عادل الفادنى
12-21-2012, 01:37 PM
عن أي ذكرى وأي شهادة تتحدث ؟؟؟!!!

رجل يقول :

يمكن للانسان أن يصل مرحلة يكون فيها سمعه سمع الله وبصره بصر الله ويكون الله ... ويقول أن الصلاة قد رفعت عنه وغيره كثير من باطل القول ...

ليس جديرا بأن يذكر في دنيا الناس ..

فقد هلك وأرتاح الناس منه ومن عقائده ومفاهيمه الفاسدة ..

أما سير النبلاء الذين حفظوا الله وحدوده وجاهدوا لأجل أن تكون كلمة الله هي العليا فأولئك جديرون بأن يكتب التاريخ فيهم المؤلفات والمراجع قبل ذكرى الناس لهم بالخير

أما آن لك أنت أن تتوب وترجع إلى ربك قبل أن يدركك الموت وأنت تعتقد عقائد العلمانية وتنتهج مناهج الجمهورية وتسبح في الباطل معهم حيث يسبحون ..

تب إلى الله ..




ابو زاهر
السلام عليك

من ماذااا يتوب الرجل ؟؟
الرجل يتكلم عن زكري رجل من المدينه
ولم يزكر انه من حزبه


الله يستر ما كمان ولا بلاش


غايتو قالووو
(المابتدورووو فى الضلمه بتحدر ليهووو)

روز
12-21-2012, 04:33 PM
‎معلومات قيمة .. شكرا لك .‏

ابو الجاز
12-21-2012, 07:14 PM
مشكور اخونا الغالى
وننتظر منك المزيد

ابوزاهر
12-22-2012, 06:18 AM
ابو زاهر
السلام عليك

من ماذااا يتوب الرجل ؟؟
الرجل يتكلم عن زكري رجل من المدينه
ولم يزكر انه من حزبه


الله يستر ما كمان ولا بلاش


غايتو قالووو
(المابتدورووو فى الضلمه بتحدر ليهووو)

وعليك السلام يا الفادني ..

الرجل يتوب من معاداة شرائع الاسلام ..

ألم تقرأ للرجل كلاما عن الحجاب وأنه ليس من الاسلام وشرائعه ..

ألا يعتبر هذا الكلام عندك ناقضا لما جاء به القرآن ومخالفا لما أمر به نبي الامة ؟؟؟..

ألم تقرأ وتتابع كل كتاباته المناهضة للدين ؟؟؟..

ألم تقرأ سبه ولعنه لأهل الاسلام ؟؟؟..

أم إن أهل التصوف تخلوا عن ما تبقى لهم من غيرة عن الدين ؟؟

صبري الشريف لا يمر على المنتدى يوما أو يومان إلا ويكتب فيه شيئا من كلام أهل الضلال وإن لم يكن لديه شيئا فإنه يحتطب له ليلا

س : سؤآل / صلاح الفادني .. حفيد الشيخ .. الفي مكة ببقى ليك شنو ؟؟؟

صبري الشريف
12-23-2012, 10:01 PM
والله لا ازال في انتظار نواره لكي ترد

باي فهم تعرفه عن قولها اعلاه او حتي لو لم تعرف معلومة لاني افتكرت ان لها معلومة عن وفاة محمد ابن الشهيد الاستاذ المفكر محمود

عزيز على موسى
12-24-2012, 10:09 AM
الأخ صبرى الشريف
فى انتظارك لمعلومة الاخت نواره اسمح لى ان امدك بالمعلومه التاليه عن الاستاذ محمود
فقد كان المرحوم من قواد ثورة المنين برفاعه والمعروفه فى التاريخ باسم حادثة الختان الفرعونى وعندما احتل الثوار مركز شرطة رفاعه قامت السلطات الاستعماريه بسحب المأمور الى الحصاحيصا وتوجه الثوار صوب الحصاحيصا وعند وصولهم الى النيل الازرق كان اول من نزل الى الماء الاستاذ محمود الذى عبر النهر سباحة فقالت فيه احدى قريباته القصيده المشهوره التى يتغنى بها الاستاذ عبد الكريم الكايلى اغنية خال فاطنه والتى تقول فى احدى مقاطعها اب كريق فى اللجج سدر حبس الفجج
كما قلت انا مهتم بتاريخ رفاعه واتمنى كل من لديه معلومه ان يساهم فى نشرها

صبري الشريف
12-24-2012, 01:39 PM
يا سلااام عليك يا عزيز

شكرا لهذه المعلومة

لك الامنيات الطيبة

نوارة
12-24-2012, 02:19 PM
ما حدث كان على مرأى ومسمع من العشرات من أهل رفاعة.. ياريت تسأل (إذا كنت لسة ما سألت) وتجي تحكي لينا هنا وتورينا رأيك.

عبدالله عباس
12-24-2012, 04:55 PM
تحية وسلامات للجميع

حقيقة اطلعت علي ما جاء في البوست , ولي العديد من الملاحظات سوف ارد عليها لاحقا باذن الله تعالي

لكن ما استوقفني هو مداخلة الاخ عزيز , الذي نشكر له اهتمامه الكبير الواضح بتاريخ رفاعة , ونسأل الله ان يمكنه من الحصول علي كفايته في هذا الموضوع

فقط لدي تصحيح بسيط يخص قصيدة خال فاطمة , حيث سبق وأن قرات عن هذه القصيدة (الشاعرة , والمناسبه ) , وتلا ذلك زيارتي لأحد زملائي في مدينة بارا , وتأكدت من المعلومة هناك

وتجدونني مضطرا لنقل بعض المعلومات عن هذه القصيدة بغرض تصحيح المعلومة (تفاديا للحرج في النقاشات العامة مثلا ) , وتفاديا لهضم حقوق اصحاب القصيدة

بالمناسبة :-

القصيدة جميلة وفعلا الواحد بتمني لو قالا زول من رفاعة


اخليكم مع النص (المنقول)

خال فاطمة :لشاعرة بارا أم كلثوم محمد عبد الرازق
قصيدة خال فاطمة للشاعرة الباراوية أم كلثوم محمد عبد الرازق وقد تغني بها الفنان الشعبي الكبير بابكر عبد الله المشهور بـ(ود نوبه) ببارا منذ عهد بعيد وذلك قبل أن تصدح بها الفنانة مهلة العبادية ومن ثم الفنان الكبير الشاعر والموسيقار السفير عبد الكريم الكابلي داخل السودان وخارجه.
ويتفق الرواد من المؤرخين الشباب والشيوخ بمنطقة بارا علي أن الشاعرة أم كلثوم التي تنتمي للجوابره أنشدت هذه القصيدة مدحاً للفارس نقد الله ود عمر الركابي الذي أوكلت له مهمة توصيل النساء من أسحف الي مدينة بارا وذلك في أواخر أيام الاستعمار التركي وأثناء تعرض أسحف لهجوم من لصوص أرادوا سلب ونهب المنطقة التي كانت تزخر بالتجار ميسوري الحال وهي غنية بالذهب والسلع. وقد أنجز الفارس نقد الله المهمة بجدارة.
ويقول الاستاذ خالد الشيخ حاج محمود في مقال نشر مؤخراً قال فيه ( قبل معركة شيكان بعامين غارت مجموعة من الأفراد علي أسحف عاصمة الجوابرة آنذاك والتابعة إدارياً الي مدينة بارا كانت بقصد السرقة والنهب وقد قتل أكثر من ثمانين شاباً، ونهبت أسحف فيما عرف في المنطقة باسم كَتْلَة (أسحف) وقد قام الأمير النور عنقره قائد حامية بارا وقتها بصد تلك الهجمة وكان معه في القيادة الفارس محمد ود عوض صاحب السيف المشهور والموجود بطرف أسرته حالياً والمكتوب عليه (من جرب المجرب حاطت به الندامة، قربه هلاك، وبعده سلامة)، كما كان من فرسان الحامية العوني ود عبد الله، ونقد الله ود عمر الركابي، ومعهم في قيادة الحامية من الأتراك السيد الروبي مسرور أفندي نعيم ، ومحمد السنجق يعقوب وابراهيم أغا كاشف).
فاقترح الأمير النور عنقره ضرورة إرسال النساء الي مدينة بارا وذلك لوجود خندق القيقر وهنا أبدى الفارس نقد الله ود عمر الركابي استعداده للقيام بالمهمة. وكانت المسافة تساوي ضحوة كاملة مشياً علي الأرجل وقد تحمل نقد الله المسؤولية وحده وقاد فوجاً من النساء والأطفال من أسحف صوب بارا وكن نساءً مترفات لا يستطعن السير إلا بمشقة فصبر عليهن نقد الله ولم يستعجلهن السير حتي أوصلهن لمدينة بارا فصار مضرب مثل للشجاعة والصمود والثبات فغنت له كلتوم بت جابر محمد عبد الرازق (يسلم لي خال فاطمة ليهن... بلالي البدرج العاطلة).
أما خال فاطمة التي خالها نقد الله هي بنت عمر أحمد وكانت طفلة رضيعة آنذاك، وقد تزوجت ولها ابن واحد ـ هو التاجر علي محمد عثمان الذي يسكن حالياً بمدينة الثورة الحارة السادسة ـ وبنتان..
ومن أحفادها الخبير العسكري الطيب أحمد حسين المقيم بمدينة الخرطوم بحري وأبناء الشيخ أحمد الخليفة مكي العربي الذي يسكن بحي الركابية بأم درمان، وأبناء الشاعر مكي مجمر عيسي، وأبناء بابكر محمد عيسي بأم درمان الثورة الحارة الثامنة..
وكان الشاعر مكي مجمر قد كتب بصحيفة الوفاق السودانية في الثاني من مارس 1999م: ( وأنا في مدينة أبوظبي شاهدت حلقة من البرنامج الرائع (نسائم الليل) وكان موضوع الحلقة أغاني الحماسة حيث ورد ذكر أغنية خال فاطمة وذكر الحضور أن مؤلفة الأغنية مجهولة الاسم، كلا لم تكن مؤلفتها مجهولة فهي إمرأة ذات حسب ونسب وهي الشاعرة أم كلثوم بنت جابر محمد عبد الرازق من قبيلة الجوابرة الذين جاء فرع منهم من شمال السودان وأستقروا في شمال السودان).
وهذا نص القصيدة:

سام الروح سبلا *** وأنا اخوي جبل الضرى


سيد أم رطين ماضل*** فارس الألف نقد الله



يسلم لي خال فاطنة ليهن *** بلالي البدرج العاطلة



اب كريق في اللجج *** سدر حبس الفجج



عاشميق حبل الوجج *** أنا أبوي مقدام الحجج



يسلم لي خال فاطنة ليهن *** بلالي البدرج العاطلة



ياخريف الرتوع *** أب شقه قمر السبوع



فوق بيتو بسند الجوع *** ياقشاش الدموع



يسلم لي خال فاطنة ليهن*** بلالي البدرج العاطلة

عزيز على موسى
12-24-2012, 08:47 PM
تحية وسلامات للجميع

حقيقة اطلعت علي ما جاء في البوست , ولي العديد من الملاحظات سوف ارد عليها لاحقا باذن الله تعالي

لكن ما استوقفني هو مداخلة الاخ عزيز , الذي نشكر له اهتمامه الكبير الواضح بتاريخ رفاعة , ونسأل الله ان يمكنه من الحصول علي كفايته في هذا الموضوع

فقط لدي تصحيح بسيط يخص قصيدة خال فاطمة , حيث سبق وأن قرات عن هذه القصيدة (الشاعرة , والمناسبه ) , وتلا ذلك زيارتي لأحد زملائي في مدينة بارا , وتأكدت من المعلومة هناك

وتجدونني مضطرا لنقل بعض المعلومات عن هذه القصيدة بغرض تصحيح المعلومة (تفاديا للحرج في النقاشات العامة مثلا ) , وتفاديا لهضم حقوق اصحاب القصيدة

بالمناسبة :-

القصيدة جميلة وفعلا الواحد بتمني لو قالا زول من رفاعة


اخليكم مع النص (المنقول)

خال فاطمة :لشاعرة بارا أم كلثوم محمد عبد الرازق
قصيدة خال فاطمة للشاعرة الباراوية أم كلثوم محمد عبد الرازق وقد تغني بها الفنان الشعبي الكبير بابكر عبد الله المشهور بـ(ود نوبه) ببارا منذ عهد بعيد وذلك قبل أن تصدح بها الفنانة مهلة العبادية ومن ثم الفنان الكبير الشاعر والموسيقار السفير عبد الكريم الكابلي داخل السودان وخارجه.
ويتفق الرواد من المؤرخين الشباب والشيوخ بمنطقة بارا علي أن الشاعرة أم كلثوم التي تنتمي للجوابره أنشدت هذه القصيدة مدحاً للفارس نقد الله ود عمر الركابي الذي أوكلت له مهمة توصيل النساء من أسحف الي مدينة بارا وذلك في أواخر أيام الاستعمار التركي وأثناء تعرض أسحف لهجوم من لصوص أرادوا سلب ونهب المنطقة التي كانت تزخر بالتجار ميسوري الحال وهي غنية بالذهب والسلع. وقد أنجز الفارس نقد الله المهمة بجدارة.
ويقول الاستاذ خالد الشيخ حاج محمود في مقال نشر مؤخراً قال فيه ( قبل معركة شيكان بعامين غارت مجموعة من الأفراد علي أسحف عاصمة الجوابرة آنذاك والتابعة إدارياً الي مدينة بارا كانت بقصد السرقة والنهب وقد قتل أكثر من ثمانين شاباً، ونهبت أسحف فيما عرف في المنطقة باسم كَتْلَة (أسحف) وقد قام الأمير النور عنقره قائد حامية بارا وقتها بصد تلك الهجمة وكان معه في القيادة الفارس محمد ود عوض صاحب السيف المشهور والموجود بطرف أسرته حالياً والمكتوب عليه (من جرب المجرب حاطت به الندامة، قربه هلاك، وبعده سلامة)، كما كان من فرسان الحامية العوني ود عبد الله، ونقد الله ود عمر الركابي، ومعهم في قيادة الحامية من الأتراك السيد الروبي مسرور أفندي نعيم ، ومحمد السنجق يعقوب وابراهيم أغا كاشف).
فاقترح الأمير النور عنقره ضرورة إرسال النساء الي مدينة بارا وذلك لوجود خندق القيقر وهنا أبدى الفارس نقد الله ود عمر الركابي استعداده للقيام بالمهمة. وكانت المسافة تساوي ضحوة كاملة مشياً علي الأرجل وقد تحمل نقد الله المسؤولية وحده وقاد فوجاً من النساء والأطفال من أسحف صوب بارا وكن نساءً مترفات لا يستطعن السير إلا بمشقة فصبر عليهن نقد الله ولم يستعجلهن السير حتي أوصلهن لمدينة بارا فصار مضرب مثل للشجاعة والصمود والثبات فغنت له كلتوم بت جابر محمد عبد الرازق (يسلم لي خال فاطمة ليهن... بلالي البدرج العاطلة).
أما خال فاطمة التي خالها نقد الله هي بنت عمر أحمد وكانت طفلة رضيعة آنذاك، وقد تزوجت ولها ابن واحد ـ هو التاجر علي محمد عثمان الذي يسكن حالياً بمدينة الثورة الحارة السادسة ـ وبنتان..
ومن أحفادها الخبير العسكري الطيب أحمد حسين المقيم بمدينة الخرطوم بحري وأبناء الشيخ أحمد الخليفة مكي العربي الذي يسكن بحي الركابية بأم درمان، وأبناء الشاعر مكي مجمر عيسي، وأبناء بابكر محمد عيسي بأم درمان الثورة الحارة الثامنة..
وكان الشاعر مكي مجمر قد كتب بصحيفة الوفاق السودانية في الثاني من مارس 1999م: ( وأنا في مدينة أبوظبي شاهدت حلقة من البرنامج الرائع (نسائم الليل) وكان موضوع الحلقة أغاني الحماسة حيث ورد ذكر أغنية خال فاطمة وذكر الحضور أن مؤلفة الأغنية مجهولة الاسم، كلا لم تكن مؤلفتها مجهولة فهي إمرأة ذات حسب ونسب وهي الشاعرة أم كلثوم بنت جابر محمد عبد الرازق من قبيلة الجوابرة الذين جاء فرع منهم من شمال السودان وأستقروا في شمال السودان).
وهذا نص القصيدة:

سام الروح سبلا *** وأنا اخوي جبل الضرى


سيد أم رطين ماضل*** فارس الألف نقد الله



يسلم لي خال فاطنة ليهن *** بلالي البدرج العاطلة



اب كريق في اللجج *** سدر حبس الفجج



عاشميق حبل الوجج *** أنا أبوي مقدام الحجج



يسلم لي خال فاطنة ليهن *** بلالي البدرج العاطلة



ياخريف الرتوع *** أب شقه قمر السبوع



فوق بيتو بسند الجوع *** ياقشاش الدموع



يسلم لي خال فاطنة ليهن*** بلالي البدرج العاطلة
الاخ عبد الله عباس
تحياتى
والله مداخلتك اكثر من رائعه ، المعلومات التى اوردتها استقيتها من ديم لطفى وهناك اخوه مهتمين بهذا المجال وعموما ساناقش معهم موضوع مداخلتك مع ما عندهم من معلومه ومحاولة التفصيل ان وجد ، ولكن ارجو ان ترجع لنص القصيده وستجد انها اقرب لدارجة وسط السودان من غربه وسنتواصل بإذن الله
لك تحياتى

صبري الشريف
12-25-2012, 04:19 AM
الاخت نواره

تحياتي الطيبة
افتكرت ان لديك معلومه وشكرا للحضور وارفع معك التساؤل لاهل رفاعة والديم خصوصا لو يساعدوك ويساعدوا الناس في تقصي معرفة سيرة الشهيد الاستاذ محمود

صبري الشريف
01-06-2013, 08:27 PM
الشريعة ليست هي الدين!!

هذا الفهم الديني الشائع الذي يمثل الأخوان المسلمون رأس السهم فيه إنما يقوم على الدعوة الى "تحكيم" الشريعة الإسلامية بكل صورها، من جديد، في حياة الفرد، وفي حياة الجماعة، اليوم.. وهذا الفهم إنما يعوزه الفهم الدقيق لروح هذه الشريعة، ولروح هذا العصر.. فلدى الفهم الدقيق فإن هذه الشريعة ليست هي الدين!! وإنما هي المدخل على الدين.. هي الطرف القريب الذي تنزّل من الدين، في القرن السابع الميلادي، الى أرض الناس لينظم حياتهم وفق طاقتهم وحاجتهم، البسيطتين، المحدودتين، يومئذ.. ولا يزال الدين أمامنا لنستنبط منه شريعة جديدة تستوعب حاجة، وطاقة، الفرد، والجماعة، في القرن العشرين الميلادي.. ولا يكاد المرء يحتاج الى التدليل على مبلغ ما تطوّر اليه الفرد، أو المجتمع، خلال القرون السالفة، من نضج، واستواء، فذلك أمر جد ظاهر..
واستنباط هذه الشريعة الجديدة ليس نبوة جديدة، ولا وحيا جديدا، فقد ختمت النبوّة بهذا النص الصريح: ((ما كان محمد أبا أحد من رجالكم، ولكن رسول الله، وخاتم النبيين..)) .. حتى لقد استقر جميع خبر السماء بين دفتي المصحف.. ولكن هذا لا يعني، على الإطلاق، أنه ليس هناك أمر في الدين مستأنف تنتظره البشرية.. ذلك بأنه لا بد من فهم جديد للقرآن، مؤدب بأدب القرآن، وبمنهاج التّعلّم القرآني: ((واتقوا الله، ويعلمّكم الله)) - فهم جديد للنصوص القرآنية القديمة – فهو ينفذ الى أصول القرآن ليستنبط منها شريعة جديدة تتوّفر على حل مشكلات الحياة المعاصرة.. وفيما يلي صورة لهذا الفهم.
لقد ظل القرآن الكريم يخاطب الناس، طوال العهد المكي، على أساس أنهم أحرار، ومسئولون عن حق الحرية، ويمنع كل صورة الوصاية عليهم.. وذلك بمثل قوله: ((فذّكر!! إنما أنت مذكّر* لست عليهم بمسيطر)).. وقوله: ((وقل الحق من ربكم، فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر!!)).. إلى غير ذلك من الآيات من الآيات المكية التي ترسي الحقوق الأساسية للبشر.. وجماعها حق الحياة، وحق الحرية.. فتساوى بينهم في الحقوق وفي الواجبات، بلا تمييز بسبب العنصر، أو العقيدة، أو الجنس (الذكورة والأنوثة).. وهذه الحقوق الأساسية إنما هي آصل أصول الدين.. وجماع أغراضه، على الإطلاق، لأنها إنما تقرر الكرامة البشرية التي انماز بها البشر على سائر أنواع الخليقة.. والأصل في الإسلام أن الإنسان حر.. فإذا أحسن التصرف في هذه الحرية، لم يكن عليه من سبيل ((ما على المحسنين من سبيل))، وإذا أساء التصرّف في هذه الحرية، بأن أظهر قصوره عن أداء واجبها، (إذ لكل حق واجب يقابله) صودرت منه: ((جزاءا وفاقا))، مصادرة مؤقتة، فيها يتعلّم حسن التصرّف في حق الحرية، في مستأنف تجربته، فيسترد هذا الخق كاملا..
ولقد عبّر المجتمع "الجاهلي" عن رفضه للدعوة الإسلامية، التي تدعوه الى عقيدة التوحيد، ونبذ عقيدة التعدّد، بشتى صور الرفض، حتى لقد بلغ حدّ التآمر على حياة صاحب هذه الدعوة!! فظهر، بذلك، ظهور التجربة التي تقام عليها الحجة، ((لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل))..
إن الفرد البشري، في عمومه، يومئذ، قد كان قاصرا عن النهوض بواجب المسئولية الكاملة عن حق الحرية، وكذلك فرضت عليه شريعة الوصاية الرشيدة، وذلك عقب الهجرة، من مكة الى المدينة، حيث نزلت آيات القرآن المدني ناسخة لآيات القرآن المكي، في مستوى التشريع العام.. فنسخت آية السيف وأخواتها آيات الإسماح والحرية، ونسخت آية الشورى آيات الديمقراطية، ونسخت آيات الرأسمالية آيات الإشتراكية، ونسخت آيات قوامة الرجال على النساء، آيات المساواة بين الرجال والنساء.. وهكذا أديل التشريع، في أسلوب الدعوة، وفي نظام الحكم، وفي نظام الإقتصاد، وفي نظام الإجتماع، من مستوى الحرية الى مستوى الوصاية.. ((وسنتناول تفصيل ذلك عند حديثنا عن الجهاد، وعن الديمقراطية، وعن الإشتراكية، وعن حقوق المرأة في متن هذا الكتاب)) .. فقامت الشريعة الموروثة بين أيدينا اليوم، على مستوى الوصاية ناسخة لمستوى الحرية.. فقامت بذلك، على فروع القرآن ناسخة لأصوله..



http://www.alfikra.org/chapter_view_a.php?book_id=131&chapter_id=3

صبري الشريف
01-11-2013, 09:38 PM
محمود محمد طه يضع واو العطف بين الإسلام والسلام

سيد أحمد علي بلال

ساحة المعجزات تتشح بالثوب الأبيض
سبع بلحات ووجنتان مغسولتان بندى الفجر
تكفي للذكرى
في تقاطع شارع محمود محمد طه،
بشارع الحرية،
ينتصب ثدي الحقيقة..
حيث تتحول الدماء إلى حليب
ويرضع العائدون من صحراء الروح
حتى الفطام
حاول أن يضع سارية السودان
على خط استواء القلب والعقل
بعد أن وضع واو العطف
بين الإسلام والسلام
لكن الكهنة انعطفوا بواوهم على العنق
حاول الظلام أن يتخلله فلم يستطع
لكن الكهنة مروا بالحرف المقلوب
والحبل المنصوب
عبر البرزخ الذي يفصل الأعلى من الأدنى
ومنذ يناير كانون الثاني عام 1985
غطت ستارة الظلام الكبرى لوح محمود
حتى تكتمل شرافته
ـــــــــــ
الخرطوم يناير 1987

صبري الشريف
01-16-2013, 07:26 PM
مــــحمـــود الـــذي عـــرفــت .. بقلم: د. منصور خالد


الثلاثاء, 15 كانون2/يناير 2013 17:27

عندما جوبهت بسؤال عن الموضوع الذي أتمنى إختياَره للحديث عن شهيد الفكر محمود في مئويته، بل في الذكرى الرابعةِ والعشرين لإستشهاده، توقفت مرة بعد مرةً، فمحمودٌ رجلٌ لكل الفصول : (A man for All Seasons)، ذلك وصف أطلقه الفيلسوف الهولندي إيراسموس الملقب بأمير الإنسانويين على شهيد فكر آخر، هو السير توماس مور، رئيس مجلس اللوردات البريطاني في عام 1529م على عهد الملك هنري الثامن. ليس بين الرجلين عُلقةٌ في الفكر، بل تشابهٌ في الصدق مع النفس حتى الموت. وعندما تمنى علىَّ منظمو الحفل أن أتحدثَ عن الفكر السياسي عند محمود إزدَدتُ إحترازاً لأن إقبالَ الأستاذ الشهيد على الفكر السياسي كان مختلفاً جداً عما يُطلِق عليه البعضُ أسم الفكر السياسي في السودان، وهو ليس منه في شئ.

العنوان الذي إخترت للحديث: "محمود محمد طه الذي عرفت" فيه مجالٌ للتوسعة بدلاً عن الحصار والتضييق. و الهدف من الحديث ليس هو شرح او تشريح أفكار الاستاذ، وانما هو القاء اضاءة كاشفة عن تنوع معارفه، وجديته في االإقبال علي القضايا العامة، ثم صدقه مع نفسه في القول و العمل. ولئن سأل سائل: كيف عَرفَتُ الأستاذ، ولماذا حَرَصتُ على معرفته، أجيبُ انني عرفت ذلك المفكر الفهامه أولاً كما ينبغي أن يُعرف المفكرون. المفكر يعرفه الناس من قراءة ما كتب والتملي فيما كتب. والمفكر تشدُ الناسَ اليه نجاعةُ الفكر، وفصاحةُ الأسلوب، وبدائعُ التفسير، ثم البلاغة في تصريف المعاني. كثيرٌ من الذين تصدوا لأفكار الراحل إبتنوا معرفتهم لأفكاره على السماع لم يروموا من ذلك غير غرض واحد هو التشهير. ومن بين أولئك طائفةٌ من المتربصين سارعت إلى قراءةِ ما بين السطور، قبل قراءة السطور، ناهيك عن التمعن فيها، ومن ثَم ذهبت تلك الطائفة إلى إختراص المعاني التي يريدون عبر تلك القراءة الزائفة حتى يُقَدروا عليها الأحكام بالظن، وبعضُ الظن إثم.

سعيتُ من بعد القراءة والتملي فيما قرأتُ إلى لقاء الرجل، ليس فقط رغبة في الحوار معه حول بعضِ أفكاره، وإنما أيضاً لأكتنِه أمرَه: ما الذي كان الأستاذ يبتغي مما يدعو له؟ وعلي أي أساس كان يخاصم ويصطلح؟ وما هو معيارُه في الحكم على البشر، وبخاصة الحواريين من حوله؟ الغاية من ذلك الحوار كانت هي الإدراكُ السليمُ لكيف يستبطنُ المفكرُ الداعيةُ القيمَ التي يدعو لها، أي التعرفَ إلى مخبره قبل مظهره. تعرفت على محمود أيضاً من خلال تجارب اخوة لي لم يكونوا أبداً من بين صحبه وناصريه ولكن شاءت الظروف ان يرافقوا الإستاذ في مرحلة من مراحل حياته فأحبوه، ورأوا فيه من الخصائص والخلال ما لم يروه في غيره من الرجال. هذه هي المداخل التي قادتني للتعرف على رجل هو بكل المعايير رجلُ وَحْدَه.

فمحمودٌ مفكرٌ دينيٌ مجدد ساءه أن يتظنى الأغيار، بل بعضُ المسلمين، ان الإسلام في ازمة، وانه عقبةٌ في سبيل التطور والتحديث. محمود رأي غيرَ ذلك. العقبة في رأيه هي الفهمُ القاصرُ للدين، وليس الدينُ نفسَه. والمأزوم هو المسلمُ المتقاصرُ عن فهم الدين فهما صحيحاً، وليس الإسلام.

محمود أيضاً مثقف موسوعي لم ينبذْ الأفكارَ المعاصرة او يناهضها دون علم و دراية بها، بل ذهب لتقصي إصولها ودارسة تجاربها شأن الباحث المدقق والامين في آن واحد. ذهب لدراسة الماركسية لينفذ الي حسناتها ويبين سيئاتها. من حسناتها في رأيه تحليلها للإقتصاد وإبرازها لدور الإقتصاد في مراحل التطور التاريخي للإنسانية، ومن سيآتها، حسب رأيه، إتخاذ العنف وسيلة للتغيير. كما درس الحضارة الغربية ورأي وجهيها، فحسب قولهَ لتلك الحضارة "وجه حسن مشرق الحسن ووجه دميم". حسنُها في الكشوف العلمية التي اخصبت الحياة البشرية، ودمامتها في القصور عن التوفيق بين حاجة الفرد وحاجة الجماعة. وهكذا دواليك كان إقترابه من تحليل الليبرالية والفكر القومي، ومناهج الحكم.

هو أيضاً متصوف زاهد إخشوشنت حياتُه بإختياره حتى خَمُص بطنه ورب مخمصةٍ خيرٌ من التُخَم. ورغم مهنيته التي اثرى منها رفاقُه في المهنة إلا انه لم يوظف مهنَته تلك ليوثِنَ (يكثر) في المال، بل ظل يُبقى منه ما يقيم الأود ثم يعفو ما فاض عن حاجته.

هو سياسي حمله جَدْب البيئة السياسية إلى أن يُرَوي بفكره عَزازَ ارضها. وكان له في ذلك قول يعود الي عهد مؤتمر الخريجين عندما قال في السفر الأول : "أول ما يؤخذ علي الحركة الوطنية انصرافها التام عن المذهبية التي تحدد الغاية وترسم الطريقة التي تحقيقها". ذلك رأي عاد إليه بعد إنتفاضة إكتوبر 1964م فوصفها بأنها فترة إكتملت فيها مرحلة العاطفة السامية التي جمعت الشعب على إرادة التغيير لكن لم تملك بعد فكرة التغيير. من ذلك نستجلي أن الأستاذ كان لا يرى مستقبلاً لأي تطور سياسي إلا أن إهتدى العمل السياسي بفكرة ورؤية. وفي هذا المجال أقبل الاستاذُ على الكتابة في كل ضروب السياسةُ: السياسةُ الحكمية، والسياسة الإجتماعية، والسياسة الثقافية، اي ذهب الي معالجة كل قضايا الناس الحيوية والحياتية وذلك هو لب السياسة. كان ذلك في وقت لم يتجاوز فيه أهل السياسة التفاصح والتداهي بما ليس فيهم، بحيث أصبحت الفصاحة – والتي هي ليست مرادفاً للبلاغة – هدفاً في حد ذاتها.

لمحمودٍ المجدد، إن ابتغينا التفصيل، رأي في الإسلام، هو ان "الإسلام محاصر في سياج دوغماطي مغلق"، وذلك تعبير نقتبسه من المفكر الاسلامي الجزائري محمد اركون. ولا سبيل في رأي محمود لفك مغاليق ذلك السياج الا بقراءة جديدة للإسلام وفق فكرة إبتدعها تقوم على التمييز بين فقه الإصول وفقه الفروع، بين آيات الإصول التي تعبر عن القيم الرفيعة والمبادئ الأساسة التي ما جاء الأسلام إلا لتحقيقها، وبين تلك التي لا تكون فيها التكاليف إلا بوسع الناس على تحملها. وعبر كل ما قرأت للأستاذ المجدد لم أقرأ ما يشي بإنكاره لصلاحية الفقه الموروث في زمانه ومكانه، وإنما إرتأى أن ذلك الفقه والقيم المعيارية الملحقة به لا يصلحان لزمان الناس هذا، لما بين الزمنين من فجوة معرفية وقيمية ومعيارية. فهذا زمان تحكمه عهود دولية حول حقوق الإنسان، وتضبط الحكم فيه والعلاقات بين الأمم على إمتداد العالم مواثيق إرتضتها الدول ولم تنكرها واحدة منها وعلى رأسها ميثاق الأمم المتحدة. تلك المواثيق والعهود فرضت واجبات لا تملك دولة التخلي عنها بدعوى خصوصياتها الثقافية.

أزاء ذلك التناقض الظاهري بين الدين والقيم المعيارية الجديدة إنقسم المسلمون إلى فرق. فريق يقول أن لا مكان للدين في الحياة، ولهذا فالدين غيرُ ذي موضوع بالنسبة للحياة، أو لمنظومة السلوك الدولي الجديدة. وفريق ثانٍ يرى في كل ما إبتدعته الإنسانية بِدعاً ضِليله، وكل ضلالة للنار. بعض من هؤلاء تصاعد في زماننا هذا بتلك الفكرة المدمرة الى تفريق العالم إلى فسطاطين: فسطاط الكفر وفسطاط الإيمان. وفريق ثالث لا يريد أن يستقيل عن دينه، كما لا يقدر على الإنعزال عن العالم فيلجأ إلى تخريجات مستنبطة من المفاهيم والأحكام الدينية الموروثة، وهي تخريجات تؤكد ولا تنفي دعاوي الذين يقولون بعدم صلاحية الدين للعصر لما في مطاوي تلك التخريجات من تناقض داخلي. و في هذا، هم اما مفكرون قاصرون، أو أدعياء منافقون.

محمود كان من أسبق المفكرين للدعوة لحلول مستمدة من إصول الإسلام، ليس فحسب، ليناهض بها الفكر الموروث الذي لم يعد صالحاً لهذا الزمان، بل ايضاً ليدحض بها الفكر الملتبس أو المتيبس للإسلام حماية للإسلام نفسه، خاصة وهو كله آراء رجال وبالتالي لا قدسية له. بدون قراءة جديدة للمفاهيم والأحكام الدينية السائدة ، يستعصي التكامل بين الدين والحياة. في دعوته تلك، إنطلق الأستاذ من قاعدة إصولية هي ان الإسلام غير معاش على الأرض الآن، لا على مستوى تشريعات الدولة الإسلامية ولا في مستوى أخلاقيات المسلمين.

جاء في الحديث "أن للدين صوى(benchmarks) ومنارات كمنار الطريق"، وعن تلك الصوى كان محمود يبحث. بسبب من ذلك انكر تقديس الاحكام التي لم تعد صالحة لزماننا، وأن صلحت كشريعة لمن قبلنا. انكر أيضاً على المعاصرين من حماة ذلك الفكر المتيبس الدور الوسائطي الذي إفترضوه لأنفسهم بين الأنسان وربه. ذلك كهنوت لا يعرفه الإسلام، بل نعيذ الإسلام منه بذاته وبأسمائه. فكل مسلم في رأي الأستاذ رجل دين. كما ليس في الإسلام وظيفة يطلق عليها وظيفة رجل الدين. ودوننا العراقي أبو حنيفة، وهو من أبرع الأئمة في إستخراج الأحكام الفقهية، كان تاجر خز لم يلهه الإجتهاد عن مهنته.

في عودته للإصول لم ينحُ طه للتجريد وإنما تقفى كل القضايا الحياتية التي شغلت، أو ينبغي أن تشغل، الناس، وعلى رأسهم قياداتهم السياسية. ففي السياسة الحكمية كتب محمود في عام 1955م عن الفيدرالية كأصلح المناهج لنظام الحكم في السودان، في الوقت الذي كان غيرُه يصفُ الفيدراليةَ بأنها ذريعةٌ إستعمارية لتفتيت وحدة السودان وكأنا بهؤلاء لم يكونوا يعرفون كيف وحدتْ الفيدراليةُ دولاً مثل الولايات المتحدة الأمريكية، والهند، وكندا، والبرازيل، والمانيا. وفي السياسةِ الإجتماعية تناول قضيةَ المرأة في وقت لم يكن فيه للمرأةِ مكانٌ إلا أن تكون مستردفةً وراء الرجل حتى بالمعنى الحسي للكلمة، إذ كان بعضُ الرجال يومذاك يستنكف أن تجلس زوجته إلى جواره في السيارة. ما فتئ بعض من هؤلاء ينادي بقوامةِ الرجل على المرأة مهما كان مستوى علمِها ودينِها وخلقها، ولا ضير عندهم إن كانت المرأة هي العالمة مدام كوري الحائزة على جائزة نوبل مرتين، أو الكاتبة البريعة إيملي برونتي، أو شهيدة الحرية بنازير بوتو. كما لا ضيرعندهم ان كان الرجل هو أي فحل جلف ليس له من علم او خلق يتحفل به أمام المرأة التي يطمع في الولاية عليها. هذه النظرة التي تجعل من المرأة ضديداً للرجل نسبها الأستاذ، بحق، إلى الجهل ولهذا كتب: "المرأة ليست عدوة الرجل، الجهل عدوهما، معاً". لذلك فإن موقف الإستاذ الشهيد من قضية المرأة كان من أعظم فتوحاته الفكرية في الحقل الإجتماعي. وكان الأستاذ ينظر للمرأة كإنسان ينبغي الإنتصاف لحقه، أين كان. ويروي لي الراحل الحبيب الدكتور خليل عثمان، وكان قد صَحبَ الأستاذَ في محبسه، كيف أن الأستاذ ظل يُتابعُ إنتخابات الرئاسة الأمريكية: رونالد ريقان وجورج بوش ضد والتر مونديل وجيرالدين فيرارو، ويجاهر بتمنياته لفيرارو بالإنتصار. سأله خليل: ما الذي تَعرفُ عن هذه السيدة حتى تؤيدَها؟ قال الاستاذ: "أنا لا اعرفُها البتة لكني اتمنى لها الإنتصار لأن إنتصارَ المرأةِ في أمريكا لإحتلال موقعٍ كهذا هو إنتصار للمرأة في كل مكان". ولعل محموداً قد فطن إلى أن في تحرير المراة تحريراً للمجتمع، وأن في صلاحها صلاحاً للأسرة، فالمرأةُ هي الإنسان كما قال الـروائي الألمــاني المعـروف تومـاس مــــان: "الرجـال هـم الرجـال ولكــــن المـرأةَ هي الإنسـان" (Men are men but woman is man).

صبري الشريف
01-16-2013, 07:29 PM
[SIZE="5"]كان للأستاذ أيضاً رأي في الحرب والسلام ذهب به إلى جَذر المشكل بعقود من الزمان قبل ان نعترف بذلك في إتفاقية السلام الشامل في يناير 2005م . في تلك الإتفاقية إعترف طرفاها بجذور المشكلة التي ظلت كل القوى السياسية الشمالية تعوص على نفسها الإمور برفضها. بدلاً عن الإعتراف بجذر مشكلة الجنوب إستمرأت تلك القوى البحث عن مشاجب خارجية تُعلق عليها أسباب الخيبة. قال الطرفان في ديباجة بروتوكول ماشكوس: ", وإذ يدركان أن النزاع في السودان هو أطول نزاع في افريقيا، وأنه قد سبب خسائر مريعة في الأرواح، ودمر البنى التحتية للبلاد، وأهدر الموارد الإقتصادية، وتسبب في معاناة لم يسبق لها مثيل، ولا سيما فيما يتعلق بشعب جنوب السودان، وشعوراً منهما بأوجه الظلم والتباين التاريخية في التنمية بين مختلف المناطق في السودان". في ذلك إعتراف منا بأن لمشكل الجنوب إسباباً متجذرة في الداخل. وحقاً، حين كان السودانُ كلهُ يتلظى بنيرانِ الحرب، كان بعضٌ من أهله لا يُخفي فرحتَه بما حقق من إنتصار وهمي. في ذات الوقت ما انفك الأستاذُ ينظر إلى الصورة المتكاملة ولا يتوه في تفاصيلها، أو يهرب إلى الإمام من واقعها الكالح. كان كلما تباهى المنتصرون بقولهم: "لقد قضينا على مائة من الخوارج وأستشهد منا خمسة"، يعقب بالقول: "أما نحن فنقول أن السودان فقد مائة وخمسة من رجاله".

بصورة عامة كان محمودٌ في سَرَعَان الناس (أي أسبقهم) إلى إدراك البعد الوطني لما ظللنا نسميه مشكلة الجنوب. كتب في واحدة من رسالاته ازاء الإسراف في الحديث عن مشكلة الجنوب، وكأن هذا الجنوب هو جنوب المريخ: "وللشمال مشكلة أيضاً". بذلك سبق قول الراحل جون قرنق:"مشكلة الجنوب هي فرع (Subset) من مشكلة السودان". هذا طرف من قضايا السياسة التي أهَمَت الأستاذ في حين صمت عنها السياسيون اما عجزأً أولا مبالاة. أدهي من ذلك أن اللهاثَ وراءَ السلطة يومذاك كان هو الشغلُ الشاغل لسادة الحكم، دون أي إجتراء من جانبهم على مواجهة النفس ونقد الذات، بل دون أن يقولوا مرة واحدة لمن ولوهم السلطة أو حملوهم الى سدتها، ما الذي يريدون أن يفعلوا بتلك السلطة من أجل قضايا الناس.

وإن كانت نظرةُ الاستاذ الشهيد للمدينة الفاضلة التي قَدرَها وأحب أن يصير إليها السودانُ نظرةً شمولية تكاملية، إلا أنه قَدَر أيضاً ان السودانَ جزءٌ من عالم لا يستطيع السودانُ الإنفكاكَ عنه، كما هو جزء من حضارة إنسانية لا سبيل له للإنخلاع عنها. في ذلك لم يذهبْ مذهبَ الذين يدعون للإنخلاع عن الحضارة المعاصرة بدعوى تناقضها أو تباينها مع خصوصية ثقافية مدعاة، أو نقاء عرقي مزعوم. فهؤلاء مع كل مزاعمهم بفساد تلك الحضارة وجَحدهم لكسبها ومنجزاتها الإنسانية ظلوا يلتهمون نتاجها في المسكن والملبس والمشرب والتواصل والترحال، أي يعيشون كمستهلكي حضارة لا منتجين لها.

شهيد الفكر كان يرمي ببصره بعيدأ ويقول أن الحضارة المعاصرة، حضارة القرن العشرين بلغت نهايات النضج. وان البشرية المعاصرة مجتمع كوكبي إن أصيب جزء منه تداعت لمرضه بقية الأجزاء. هذه النظرة التي جاء بها الأستاذ الشهيد في السبعينات سبقت ما تواصينا عليه بعد عَقد من الزمان في لجنة دولية كان لي شرف المشاركة في رئاستها: اللجنة الدولية للبيئة والتنمية. خرجت تلك اللجنة على الناس بتقرير اصبح هو الميثاق الدولي للبيئة في قمة الارض بريو دي جانيرو. جوهر ذلك الميثاق هو وحدة كوكبِ الأرض بحيثُ ينبغي على كلِ فردٍ في المعمورة ان يفكر عولميا ويعمل محلياً. ثم جاء من بعد فيضان العولمة بخيره وشره، وإنداحت معه الحدود بين البلاد. ولعلني لا اريد أن أتقفى أثر المفكرين المسطحين الذين يحاولون إيجاد نسب لكل فكرة حضارية جديدة، أو ظاهرة علمية مستحدثة بتجارب الدولة الإسلامية وبالقرآن الكريم، ناهيك عن ربطها بأفكار مجتهد معاصر، لا سيما وقد جاء زمان أطل علينا فيه نفر من المتفيقهين الذين لم يستح واحدٌ منهم من أن يفتعل لتخليق النعجة دوللي بالإستنساخ ذِكراً في الكتاب الكريم. كل ما أريد قولَه هو ان الشهيدَ المفكر كان يعالجُ إمور بلاده في محيط كوكبي أرحب لا نملك إلا ان نعيش فيه، ونتفاعل معه، ونؤثر عليه، ونتأثر به، في حين كان غيره لا يبصرون حتى ما تحت أقدامهم بدليل عجزهم عن معالجة أدنى مشاكل الحكم والحياة.

هذه النظرة الكلية لقضايا الإنسان في السودان كانت بارزة أيضاً في ما كتب الأستاذ عن الإقتصاد. من ذلك رسالته حول الضائقة الإقتصادية (1981م). وأمثال تلك الضائقة يتخذها دوماً معارضو الحكم تكأة لتخذيله، أو ذريعة لحمله على الفشل. يفعلون ذلك دون أدنى إهتمام لما لتلك الضائقة من أثر على الوطن والمواطن. في تناوله لتلك الضائقة (والتي نستعرضها كنموذج) تناول الأستاذ البعد الأخلاقي للأزمة: مسئولية الدولة ومسئولية الأفراد؛ الريف والمدينة وأثر إنهيار الإقتصاد الريفي على إنهيار المجتمع الحضري؛ البعد الخارجي: التجارة الدولية، الديون؛ البيئة الطبيعية، الكوارث مثل الجفاف والتصحر. هذه النظرة الموضوعية العلمية لقضايا الناس هي التي يترجاها المواطن من قادته ومفكريه إن كانوا حقاً جادين في تدارس أي أمر ذي بال حتى يصلح حاله وأمره. والا حق قول أبي العلاء بأن الحكم ومذاهبه عند أولئك ليس هو الا وسيلة لجلب الدنيا لسادة الحكم.

إنما هذه المذاهب أسباب لجلب الدنيا إلى الرؤساء

تساءلت ذات مرة عن ما الذي يحول دون هذا المفكر، طالما أهّمَته السياسة، أن ينشئ حزباً سياسياً يتصارع عبره مع الآخرين على الحكم حتى يترجم أفكاره تلك إلى واقع. قال: "غايتنا ليست الحكم هي وإنما خلق المسلم الصالح المتكامل، وبصلاح الناس يصلح المجتمع". وحقاً لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم، وحقاً ايضاً أن لاسراة إذا تسيد الجهل على الناس.

قلت أن الاستاذ المجدد كان يسعى لبناء مدينة فاضلة بخلق النساء والرجال الفاضلين. والرجل الفاضل عنده، فيما تبينت من قوله، هو الإنسان مجدول الخلق الذي يحسن عمله، ويقوم برعاية اهله وذويه، ويؤدي فروض ربه ووطنه. سالته ذات مرة كيف تنتقي ابناءك وبناتك من الجمهوريين، وما الذي تتوخاهُ فيهِم؟ قال: في البدء ان كان ذا مهنةٍ فلابد له من ان يُجود مهنتَه، فالرجلُ الذي لايستجيدُ مهنتَه يفتقدُ القوام الرئيس لقيادة الناس، وقوامُ كلِ شئ هو عِماده. الأمر الثاني هو القدرة على التبليغ، أي نشرالفكرة بين الناس بالتي هي احسن بحيث لايستفزه، عند الحوار، مستفز أو يزعجه مزعج. ثالثاً – وذلك هو بيت القصيد - أن لا يفعل في سره ما يستحي من فعله في علانيته. وكأني بالأستاذ الشهيد أراد ان يجعل من صحبه بشراً يقاربون الأنبياء في سلوكهم. هذا أمر لا أدعي أنني قادر عليه، ولمن قَدِر عليه من صحاب المفكر الشهيد تحية إعجاب.
بُغية الأستاذ المعلم، إذن، كانت هي إعداد بنيه وبناته ليكونوا قدوة صالحة تُكلف نفسها في سبيل الدعوة غاية ما تقدر عليه. هذا امر ليس منه بُد إن كانت الدعوة لدين أساسَه الإستقامةَ والإستواء "وذلك هو دين القيَّمة". ولعله في هذا ذهب مذهب إبن رشد القرطبي في نظرته للكمال الإنساني. فعند إبن رشد يتميز الإنسان العاقل بما يحصل عليه من عتاد روحي وثقافي ومعارفي وتتكامل عنده الحكمة والشريعة لما بينهما من إتصال.

لمحمود أيضاً رأي في الإنسان أبدع فيه. قال في واحدة من رسائله "الرجالُ عَندنا ثلاثة: الرجلُ الذي يقولُ ولايعمل لأنه يخافُ من مسئوليةِ قوله، وهذا هو العبد. والرجلُ الذي يَحِبُ ان يقولَ وان يعملَ ولكنه يحاولُ أن يهربَ تحت الظلام فلا يواجهُ مسئوليةَ قوله ولاعمله، وهذا هو الفوضوي. والرجل الذي يحب أن يفكرَ وأن يقولَ وأن يعملَ وهو مستعد دائماً لتحمل مسئولية قوله وعمله، وهذا هو الرجلُ الحرّ (الثورة الثقافية)". هذا حديث حكيم شفيف الباطن. إستذكرت الشاعر الراحل محمود درويش (الجدارية) وانا أعاود قراءة كلمات محمود هذه:
انا لستُ مني لو أتيتُ ولم أصل
انا لستُ مني لو نطقتُ ولم أقل
أنا من تقول له الحروفُ الغامضات
أكتُب تكن
إقرأ تَجِد
وإذا أردتَ القولَ فأفعل ، يتحد
ضداك في المعنى
وباطنُك الشفيف هو القصيد

فللأستاذ، إذن، رؤية سوية للإنسان المثال لا إفراط فيها ولاتفريط، وإن كان هو في خاصة نفسه قد غالى، بمعاييرنا، في قمع نفسه حتى عن اللَمَم وتوافه الملذات . روى لي الدكتور الراحل خليل عثمان إبان محاياته للأستاذ وهما في الحبس إلحَافه على الشهيد أن يتناولَ معه كوباً من الشاي فتأبى الأستاذ، ثم رضخ لإلحاف خليل. وفي اليوم التالي كرر خليلٌ الدعوةَ له وهو يذكره بأنه تناول الشايَ البارحة دون أن يلحقَ به ضُر. قال الأستاذ: "لقد فعلتُها بالأمس إكراماً لك ولكني أعرف أن الشاي منبه وإن تناولتَه المرة بعد الاخرى صار شربُه لي عادة وانا لا اريد أن أكون عبداً لأي عادة".

قلت ان في مسلك الأستاذ نسكاً وتصوفاً، يستعيد للذاكرة قول الإمام الغزالي في الأحياء حول الزهد: "هو أن تأتي الدنيا للإنسان راغمة صفوا عفوا وهو قادر على التنعيم بها من غير نقصان جاه، وقبح إسم، فيتركها خوفاً من أن يأنس بها فيكون آنسا بغير الله، محبأ لما سواء، ويكون شركاً لما سواه، فيحب الله غيره" لهذا سألته عن رأيه في متصوفة السودان، ولماذا يصب جام غضبه على الإسلاميين المحدثين لا على المتصوفة؟ ذلك سؤال قصدت به الإستفزاز الفكري، لا سيما ورأيي في علماء السودان ومتصوفته رأي إيجابي إذ عشت في رحابهم، وتعلمت إصول ديني من أشياخهم، قال الأستاذ: "المتصوفة والعلماء هم الذين قربوا الإسلام إلى نفوس اهل السودان بالحسنى، وحببوه إليها بتقوى الله ولهفة المظلوم، ولم يتخذ غالبهم الدين طريقاً للدنيا". أما الطائفيون الذين إتخذوا الدين معبراً للسياسية والمحدثون ممن ينصب أنفسهم دعاة للإسلام فقد أساءوا إلى الإسلام من جانبين: أولاً إحتكار الحقيقة حول الدين بالرغم من سوء فهمهم له؛ وثانياً تبغيض الناس فيه بسبب من الغلواء في الاحكام، لهذا فان مسعاه، كما قال، هو إستنقاذ الاسلام من هؤلاء. هذا الموقف هو ما ظل الأستاذ ثابتاً عليه في كل ما كتب عن الطائفية السياسية، وكان متسامحاً فيما كتب، بمعنى أن الإصرار على الحوار الفكري، لا إغتيال الشخصية وإلغاء الآخر، هو قمة التسامح. ورغم إختلافه مع الطائفيين والإخوان المسلمين والشيوعيين دعا عند المصالحة الوطنية في عهد نميري (أغسطس 1977م) إلى خلق منابر فكربة تتصارع فيها كل هذه القوى السياسية واسماها بأسمائها: لم يستثن منها واحداً. وكان يومها يتمنى أن يُملأ الفراغ السياسي بالفكر. أما الآخرون الذين تداعوا إلى تلك المصالحة فلم يروا لها إلا وجهاً واحداً هو المشاركة في الحكم عبر إئتلاف حزبي أو حكومة وحدة وطنية أو حكومة قومية.

صبري الشريف
01-16-2013, 07:40 PM
وعوداً على بدء في موضوع مَنسِك الأستاذِ نقول أن نسكه كان ذا طبيعة خاصة به، كان رجلاً من غمار الناس يمارس كل عوائدهم: ياكل الطعام، ويمشي في الاسواق، ويعود المريض، ويواسي الجريح ، ويعزي في الميت، كما لم يك يحسب نفسه منذوراً للبتولة كالمسيح أو أحبار الكنيسة إذ تزوج وانجب كبقية الخلق. لم يذهب أيضاً مذهب المتصوفة في إقصاء المعارف الدنيوية من حياتهم لأنها تلهيهم عن القربى، أي اقتراب السالك من ربه. فجُل المتصوفة لم يبتغوا من قراءة القرآن وتفسيره إستنباط أحكام فقهية أو عقائد كلامية، بل كانوا يريدون بها خلاصاً شخصياً بتعميق تجربتهم الروحية. بخلاف ذلك، إنغمس الأستاذ حتى أخمص قدميه في المعارف الدنيوية يحاور وينتقد، ويقبل ويرفض. ولم يكن إقترابه من التوحيد من وجهة حلولية شأن كل المتصوفة، بل محاولة فلسفية منه للحصول على معارف واقعية تهدي الإنسان في الحياة الدنيا؛ أي أنه "رأي سبيل الرشد فأتخذه سبيلاً". كما كان سبيله للآخرة هو الإقدام على الفروض والواجبات إقبال رجل يغشى قلبه الوجل من مخافة الله :"إذا ذكر الله وجِلت قلوبهم وإذا تُليت عليهم آياته زادتهم إيماناً" (الأنفال،2). كما كان يدرك أن وراء أداء الشعائر مغزى روحي عميق غير المعنى الظاهري، فتماماً كما أن ليس للصائم من صيامه غير الجوع والعطش، ليس، في حال البعض، للمصلي من صلاته غير القيام والقعود. الدين عند هؤلاء هو حوار أبدي بين الإنسان وخالقه في الليل والنهار حتى يتحقق لهم المقام المحمود: "ومن الليل تتهجد به نافلةً لك عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً" (الإسراء 79).
]




ثم جاءت نهاية شهيد الفكر كنهايات أضراب له واشباه من المفكرين الذين قدموا ارواحهم قرابين في محاريب الفكر، كانت نهايتهم على يد طغاة كحال الأستاذ الشهيد وتوماس مور، أو غوغاء كحال سقراط وغاندي. هؤلاء جميعاً لا ذنب لهم غير المجاهدة حتى يصبح الإنسان إنساناً. فمن قبل محمود ذهب سقراط ضحية إتهامه بتلويث عقول الإثينيين ولكنه، رغم إلحاح إفلاطون وزينوفون عليه كي يهرب - وكانوا يعدون للأمر عدته - رفض ذل الهرب من الموت. ذلك مشهد وصفه شوقي فابدع في الوصف:

سقراط أعطى الكأس وهي مليئة شفتي محب يشتهي التقبيلا
عرضوا الحـياة علـيه وهي ذليلة فابى وآثر أن يمـوت نبيلا

أما غاندي الذي لم يعرف للعنف سبيلا فقد مات مغدوراً على يد متطرف هندوكي. بُغضُ غاندي للعنف وحبُه للناس حملاه على أن يقول:"هناك أهداف كثر أنا على إستعداد للموت في سبيل تحقيقها، غير أني لا ارى هدفاً واحداً يمكن أن يدفعني إلى قتل إنسان". نقل نبأ رحيل غاندي لأهل الهند جواهر لال نهرو وهو يقول:"لقد إنطفأ النور من حولنا، فالظلام يعم كل مكان." ثم إستدرك قائلاً:"ما كان لي أن أقول هذا. أنتم لن ترونه بعد اليوم، إلا أنه سيبقى بين ظهرانيكم".

توماس مور، رجل كل الفصـــول، آثر الصـمت عندما قضــي هنري الثامن بإعدامه لرفضه التوقيع على القانون الذي يجعل من هنري رئيساً للكنيسة (Act of supremacy). وعندمىا أقتيد إلى المشــــنقة رفض أن ينبس ببنت شـــــــفه لقاضيه وجــلاده عــدا كلماته الاخـيرة التي صـمت بعــدها: "لا يحق لبشــــر زائل أن يكون رئيســــاً للروحــانية: "No temporal man may be head of spirituality". ذلك كان موقف الأستاذ الشهيد، إذ ما أبلغ صمته وأجمل سمته أمام المشنقة، فالجلاد وقضاة النار لم يبتغوا من الدعوة لإستتابته إلا كسر نخوته. ومن الحمق ان يظن ظان أن رجلاً تمرس بالشدائد، وصهرته المحن، وعرف الحق، سيفعل آخر الليالي ما لم يفعله في صباه. الشهيد ذو مِرة، وذو الِمرة لا ينكسر أمام الخطوب.

في تلك الايام الحوالك عشت في لندن مع إخوة لي اغلبهم ممن عرف الاستاذ الشهيد من خلال ما كتب: الراحل حسن محمد علي بليل الإقتصادي المعروف، والراحل ابوبكر البشير الوقيع الإداري النابه، والأستاذ التجاني الكارب، ثم الراحل رفيق محمود، الدكتور خليل عثمان. بليل والكارب لم يكونا يبكيان على رجل ، بل كان بكاؤهما على موت ضمير. قالا سوياً:"هذا هو اليوم الوحيد الذي تمنينا فيه ان لا نكون سودانيين". ما تركنا يومذاك باباً في عواصم العالم الا وطرقناه حتى يُرَد الطاغية عن غيه. ثم ادلهم الظلام وذهب محمود كما يتوقع المرء أن يذهب، مرفوع الرأس كالرواسي الشامخات.

أمثال محمود لا ينتهون بنهاية الوظائف البيولوجية لأجسامهم، وإنما هم باقون بما خلفوا في الرأس وفي الكراس. باقون بما سطروا على الورق، وما تركوا في أدمغة الرجال والنساء. وبهذا يصبح، أو ينبغي أن يصبح، السكون الأبدي لأجسادهم حركة دائبة. لا تهنوا، إذن، أيها الصحاب فأنتم اقوى من أي جلاد جلف، ومن أي قاض ظلوم، ومن أي عالم من أولئك الذين تراكم الصدأ على خلايا عقولهم.[/SIZE

صبري الشريف
01-19-2013, 05:03 AM
ام درمان فى 13/1/1979م
حضرة الاخ الكريم عبد الرحيم محمود أبوعيسى
رئيس نادى الخريجين بمدنى
وحضرات الاخوان الكرام أعضاء لجنة النادى الموقرة
وحضرات الاخوان الكرام أعضاء هذا النادى العزيز

تحية طيبة
إن ما حصل لناديكم لا يدعو إلى الاسف ، ولا الحزن ، كما قد يتبادر إلى الاذهان ، لدى الوهلة الاولى ، وإنما يدعو الى الاستبشار ، والفرح ، عند التأمل المستبصر.
لقد خرجت من ناديكم ، فى الثلاثينات ، الشعلة الاولى التى كانت نواة الحركة الوطنية العظيمة التى إنتهت الى إخراج الاستعمار الحسى ـ حكم الانجليز ـ من البلاد ، فأحرزت بذلك تحريرها .. وستخرج بهذا الصنيع البشع ، من هذا القبيل الضائع ، من ناديكم الشعلة الثانية التى ستنتهى الى إخراج الاستعمار المعنوى ـ الجهل بالدين ـ وتسلط هذا الجهل على عقول أفراد شعبنا ـ من العقول بإذن الله ، فيتم بذلك ما بدئ ، فى مضمار التحرير ، من إحراز الاستقلال الصحيح .. لقد أراد الله بهذا النادى خيرا للمرة الثانية ، وأراد ان يصل ماضيه بحاضره فى خدمة رسالة الحرية فى هذه البلاد..
لقد ظللنا نحن الجمهوريين ، ننبه دائما إلى الخطر الذى يتهدد هذه البلاد من مؤامرة الطائفية التى إستغلت ، وتستغل ، الدين فى تضليل هذا الشعب لتسوقه ، معصوب العينين ، بإسم الله ، وبإسم الاسلام ليكون فى خدمة أغراضها الدنيئة .. ولقد ركزنا على تنظيم الاخوان المسلمين ، كذيل للطائفية ، كأسوأ تنظيم إستغل الدين لاغراض الدنيا .. وما هذا المعرض الذى اقمناه وتكرم ناديكم بفتح أبوابه له ، وهو له أهل ، إلا محاولة عملية جاده فى سبيل هذا التنوير الذى نضطلع به لشعبنا العزيز ، وفى سبيل هذا التنبيه الملح ، إلى خطر هذا القبيل المارق..
لقد طالما تحدثنا عن أن مساجد الله قد أصبحت ملوثة بجهالات رجال عقولهم خربة ، ونفوسهم مريضة .. وهؤلاء الرجال هم اليوم أئمة الناس ومعلموهم الدين .. ولكن حديثنا كان يفتقر الشاهد المحسوس الملموس ، على صدق النذير الذى يسوقه ، فوجدناه اليوم بحريق هذا النادى العتيق ، العزيز ، وجدناه بصورة ستظل نموذجا حيا فى أذهان الناس ، كنذير بما ينتظر هذه الامة ، اذا ما قدر لها أن تحكم بإسم الاسلام ، كما يفهمه هؤلاء الرجال الجهلة ، والمريضو النفوس . إن هذا النموذج البشع الشائه ، يجئ فى الوقت المناسب لينبهن العقلاء لدرء خطر الجهلاء قبل فوات الاوان.. هذا النموذج البشع لن يترك الناس لينسوه ، وذلك ليكون لهم نبراسا ، على ضوئه يدرجون إلى تقويض معاقل الجهل الذى يدبر الخيانة بإسم الاسلام . الطائفية..
ونحن الذين وقفنا حياتنا ، وقتنا ومالنا لاستنهاض الهمم لمقاومة هذا الجهل النشط الذى يستغل الدين فى تضليل الشعب ، نطمع فى أن يجند أعضاء ناديكم أنفسهم لمواجهة هذا الخطر الداهم ، ونطلب مثل هذا الطلب ، الى جميع المثقفين فى جميع بقاع هذا البلد ، الذى نعزه ونفديه..
فأرجو أن يكون هذا الحادث البشع نقطة إنطلاق لناديكم ولاندية الخريجين فى كل مكان ، لتواصل المشوار الذى بدأته فى الثلاثينات فى محاربة الاستعمار الحسى ، حتى تقضى على هذا الاستعمار الجاهل الذى يشل العقول بإسم الله وبإسم الاسلام..
وأخيرا هذا دور ناديكم ، وهو دور يجب أن ينتظر له ، وأن يتوقع ، وهو دور مشرف ، كل التشريف !! ألا ترضون أن يكون ناديكم قد فدى البلاد ، والامة ، فساق لها هذا النذير العريان ، الذى يعصمها من أن تسير معصوبة العينين إلى حظيرة هذا الجهل الاسود ؟؟

أخيرا لكم جميعا تحيتى وودى
المخلص
محمود محمد طه

صبري الشريف
01-19-2013, 03:42 PM
أزهري محمد علي
يا بوي صباح الخير
يا بوي صباح الخير
من آخر اﻷعماق
أنا حالي غيرك غير
في منتهي اﻷشواق
يامستجير بالله
من كل ضيق ونفاق
معصوم يسر الله
حق اليقين ميثاق
لله شي لله
باب الكريم ماضاق
الدم فاه الدم
دم الحقيقة يراق
اعصم رؤي اﻷطفال
من لعبة اﻷوراق
لسه الحبل ممدود
مشدود وثاق في وثاق
من تحته واقف هو
في كامل اﻹشراق
طائر خفيف الروح
في واسع الآفاق
يغزل خيوط النور
من بسمته الرقراق
وينزع مشاعر الخوف
من رعشة الشناق
يكتب رسالة الموت
عبر الطريق الشاق
يطلع عفيف اﻹيد
من حافة اﻹملاق
يشهد صعود الروح
بنشوة العشاق
من حيز المحدود
لمطلق اﻹطلاق
عند انتفاء الضد
حيث البصر مازاغ
إنت بتروح وين
يامستبد ياعاق
من غضبة الطوفان
من شعبنا العمﻼق
يوم تشخص اﻷبصار
يلتف ساق بساق
بيناتنا يبقي الحق
ومكارم اﻷخﻼق!..

صبري الشريف
01-19-2013, 03:43 PM
http://www.youtube.com/watch?feature=player_embedded&v=2fhlFoiakEQ

صبري الشريف
01-19-2013, 03:47 PM
https://www.youtube.com/watch?v=g6fP4uiYE9I

صبري الشريف
01-19-2013, 03:47 PM
https://www.youtube.com/watch?v=Q8NPOlMHOWg

صبري الشريف
01-19-2013, 03:49 PM
كلمة الأستاذ محمود محمود طه

أمام محكمة المهلاوى
في السابع من يناير 1985

((أنا أعلنت رأيي مرارا ، في قوانين سبتمبر 1983م ، من أنها مخالفة للشريعة وللإسلام .. أكثر من ذلك ، فإنها شوهت الشريعة ، وشوهت الإسلام ، ونفرت عنه .. يضاف إلي ذلك أنها وضعت ، واستغلت ، لإرهاب الشعب ، وسوقه إلي الاستكانة ، عن طريق إذلاله .. ثم إنها هددت وحدة البلاد .. هذا من حيث التنظير ..
و أما من حيث التطبيق ، فإن القضاة الذين يتولون المحاكمة تحتها ، غير مؤهلين فنيا ، وضعفوا أخلاقيا ، عن أن يمتنعوا عن أن يضعوا أنفسهم تحت سيطرة السلطة التنفيذية ، تستعملهم لإضاعة الحقوق وإذلال الشعب ، وتشويه الإسلام ، وإهانة الفكر والمفكرين ، وإذلال المعارضين السياسيين .. ومن أجل ذلك ، فإني غير مستعد للتعاون ، مع أي محكمة تنكرت لحرمة القضاء المستقل ، ورضيت أن تكون أداة من أدوات إذلال الشعب وإهانة الفكر الحر ، والتنكيل بالمعارضين السياسيين))

صبري الشريف
01-19-2013, 04:41 PM
والحياة الآن في ترقيها، وتطورها، راجعة إلى إشاعة الحس في جميع ذرات الجسد، على نحو ما كان عليه الشأن عند الحي البسيط، البدائي .. فهذه المهمة هي وظيفة العبادة – هي وظيفة التوحيد .. وسبيله إليها محاربة الخوف .. ذلك بأن الخوف العنصري هو الذي حفز الحياة في مراقي التطور، فوظف الوظائف لأعضاء الجسم المختلفة .. ومن هذه الوظائف، كما سلفت الإشارة، ظهور الحواس، وظهور العقل .. ومنها إسناد الوقاية لبقية الجسم – للجلد .. ولقد إقتضى هذا أن يتبلد حسه .. ومن أجل بلوغ الغاية المرجوة، وهي إعادة الحس إلى الجلد، إتجه التوحيد إلى محاربة الخوف العنصري، فابتدأ بتحويله إلى خوف واع، موحد في واحد، فجاء القول: (رأس الحكمة مخافة الله) .. ثم ان السير، في هذا الإتجاه، يفضي بنا إلى المعرفة التي تقرر أن الله لا يخاف، وإنما يحب – يؤنس به، ويطمأن إليه، ويحب ..
قال تعالى: (الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني، تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم .. ثم تلين جلودهم، وقلوبهم إلى ذكر الله .. ذلك هدى الله، يهدي به من يشاء، ومن يضلل الله فما له من هاد) ..
قوله: (ثم تلين جلودهم)، إشارة إلى تخلص الجلود من التحجر، وبلادة الحس، ومن القشرة الكثيفة التي فرضتها عليه وظيفة الوقاية .. فإنه، بعد الإطمئنان من الخوف، يلين الجلد، وينعم، ويلطف، ويكون قوي الإحساس، مرهف الشعور ..
وإنما تكون الطمأنينة من الخوف بفضل العلم بعواقب الأمور .. قال تعالى، في ذلك: (قل لا أملك لنفسي نفعا، ولا ضرا، إلا ما شاء الله .. ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير، وما مسني السوء .. إن أنا إلا نذير، وبشير، لقوم يؤمنون) .. والعلم أوله إيمان باللسان، وعمل بالجوارح .. ثم إيمان بالعقل وطمأنينة بالقلب .. ثم إيقان بالعقل وسلامة بالقلب .. وعند الإيقان، يعني عند حصول علم اليقين للعقل تحصل السلامة للقلب، بالخلاص من الخوف .. وعندها يتسع القلب، ويقوى، وينتظم، ويدفع دم الحياة قويا نقيا في كل ذرات الجسد، وفي كل ذرات الجلد، فتنشط الحياة في مواته بنشاط، وانتظام إفرازات الغدد الصماء، وغيرها من الغدد ذات الوظائف المختلفة، ويقفز الجسد كله إلى الحياة الكاملة، ولا يبقى فيه موضع كثافة، ولا موطن بلادة، ويتحقق موعود الله فيه .. قال تعالى: (يأيها الناس!! إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب، ثم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة، لنبين لكم، ونقر في الأرحام ما نشاء، إلى أجل مسمى، ثم نخرجكم طفلا، ثم لتبلغوا أشدكم، ومنكم من يتوفى، ومنكم من يرد إلى أرذل العمر، لكيلا يعلم من بعد علم شيئا .. وترى الأرض هامدة، فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت، وربت، وأنبتت من كل زوج بهيج) .. هذه الأرض هي أرض الجسد .. والماء هو العلم الذي ينزل من سماء العقول الصافية على هذه الأرض فيجدد شبابها، ويبعث فيها الحياة جديدة، دفاقة، جياشة بالحس المرهف، والعاطفة الصادقة .. وإلى هذا أشار شيخ الطائفة الصوفية، أبو القاسم الجنيد، فقال:

تطهر بماء الغيب، إن كنت ذا سر * * وإلا تيمم بالصعيـد و بالصخر،
وقدم إماما كنت أنت إمامه * * وصل صلاة الفجر، في أول العصر،
فتلك صلاة العارفين بربهم * * فإن كنت منهم فانضح البر بالبحر


قوله: (ماء الغيب) يعني العلم بالله .. وقوله: (فأنضح البر بالبحر) يعني أفض على الجسد من أنوار العلم ما يحيي مواته، كما يحيي الماء موات الأرض الهامدة .. ولقد قلنا أن العلم يحرر صاحبه من الخوف، فيقع الإتزان الذي يدفع الدم القوي حاملا إفرازات الغدد السليمة، فينعش، ويغذي كل خلايا الجسد غذاء صحيا، يبعثها من موتها جديدة، ومتجددة باستمرار ..
هذا هو البعث الأعظم – بعث موتى القلوب .. وهو الموت الأعظم عند الله .. قال تعالى: (أومن كان ميتا فأحييناه، وجعلنا له نورا يمشي به في الناس، كمن مثله في الظلمات، ليس بخارج منها؟؟ كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون ..) قوله: (أومن كان ميتا) بالجهل بالله .. (فأحييناه) بالعلم بالله .. يعني أومن كان ميت القلب بظلام الكفر، فبعثنا قلبه، وأحييناه بنور الإيمان، كمن هو في ظلمات الجهالات يتخبط فيها على غير هدى؟؟ وإلى غير خروج؟؟ وبعد .. فإني أحب أن يكون البعث هو على هذا النحو .. هو بعث حياة القلوب، لأن به السلوك، وبه السير من البعد عن الله إلى القرب من الله .. وهذا هو الحياة ..
أما البعث من الموت الحسي فهو حق، وواجب، وما ينبغي أن يأخذ من وقتنا أكثر مما أخذ .. ولولا أن هذا الكتاب قد طال لتحدثت عن بعث موتى القلوب .. ولكنني قد تحدثت عنه، بما يغني عن الإعادة ههنا، وذلك في كتابي (رسالة الصلاة)، في مقدمة الطبعة الرابعة .. فليراجع في موضعه ..
ثم تحسن مراجعة مقدمة كتاب (أسئلة وأجوبة)، فإنها مقدمة ترسم طريق السير من البعد إلى القرب، والبعد موت، والقرب حياة – بعث من الموت ..

عن كتاب :
القرآن ومصطفى محمود والفهم العصرى

صبري الشريف
01-29-2013, 06:45 PM
بصورة عامة كان محمودٌ في سَرَعَان الناس (أي أسبقهم) إلى إدراك البعد الوطني لما ظللنا نسميه مشكلة الجنوب. كتب في واحدة من رسالاته ازاء الإسراف في الحديث عن مشكلة الجنوب، وكأن هذا الجنوب هو جنوب المريخ: "وللشمال مشكلة أيضاً". بذلك سبق قول الراحل جون قرنق:"مشكلة الجنوب هي فرع (Subset) من مشكلة السودان". هذا طرف من قضايا السياسة التي أهَمَت الأستاذ في حين صمت عنها السياسيون اما عجزأً أولا مبالاة. أدهي من ذلك أن اللهاثَ وراءَ السلطة يومذاك كان هو الشغلُ الشاغل لسادة الحكم، دون أي إجتراء من جانبهم على مواجهة النفس ونقد الذات، بل دون أن يقولوا مرة واحدة لمن ولوهم السلطة أو حملوهم الى سدتها، ما الذي يريدون أن يفعلوا بتلك السلطة من أجل قضايا الناس.

صبري الشريف
01-29-2013, 06:48 PM
يا بوي صباح الخير
من آخر اﻷعماق
أنا حالي غيرك غير
في منتهي اﻷشواق
يامستجير بالله
من كل ضيق ونفاق
معصوم يسر الله
حق اليقين ميثاق
لله شي لله

صبري الشريف
01-29-2013, 07:14 PM
نشيد للعالم الرباني الأستاذ محمود محمد طه
الأستاذ عبدالرحيم عبدالحليم

(مجاراة لقصيدة الشاعر سيد احمد الحردلو التي تنبأ فيها بحلول الظلام وقتل الحقيقة)


راجل علم وفهم
ومخافة من الله
بالزهد تترجم
وقلبا بسيط وحنين
وزهدا به ينعم
يعرف كتاب الله
وينقي مما شاب
ويرش علينا علم
يهطل علينا سحاب

محمود جنا طه
(ملك وملكو كتاب)
وفقير وفقروا صواب
لا نافق الحكام
لا تابع الأذناب
يصدح بصوت الحق
الداوي وسط الغاب
غاب المحن والفتن
وغرايب الأزلام
وعجايب الأنصاب.

(ملك وملكو عِلم)
وعميق وصمتو فهم
وشلوخو تجري بحار
للساحل الأعظم
وتصب في مجري العلوم
الجاي من زمزم
وتفهم حديث النبي
وتربطو بالعالم
وتمدح من المصحف
بى اسمه الأكرم
لا سوا مرة بدع
أو ليها اتعلم
أو جابلو يوم إلحاد
أو بيهو اتحزّم
نابع من التنزيل
الليهو اتعلم
موزون بنور البيان
ومسقي من القرآن
وعالي كما الأنجم

(محمود جنا طه)
صوفي ملان أسرار
وقريب من السدرة
الفيها سر القرار
وينبوعه الملهِم

قريب من الأصفياء
وقريب من الأنبياء
وقريب من الأعداء
عاش الحياة غانم
وراح مّنها مكرم
ماعاشا يوم مفتون
بي عزها وجاها
أو عاشا يوم مغرور
أو يوم تمناها
عاشا كما الأنغام
سابح بحور الدين
وشارب من الاسلام
وشايل في وجه الريح
اسم الله في الأيام

(لو عندي ايد لاحقة)
أجيبلو من الفضا
نجمات من الأنجم
تمدح بذكر الله
وباسمه الأعظم
وتنظِف العالم
من الأسى والهم
نجمات من الانشاد
تملا الدنا إسعاد
بالكهف أو مريم
أجيبلو من الفضا
(واديهو تاج الرجال)
(وابنيلو في الخرتوم)
(فوق البحر تمثال)
بحر الصفا والوفا
العالم الملهم

يجي يوم يسود الظلام
ويتعطل التاريخ
ويتحزموا الظلمة
وحاملي الأختام
ويبقى الكلام أعوج
وصوت النظام أطرق
وعقل الوطن أحمق
وشكل الكلام أخرق
يجي يوم تغادر الطيور
من نيلها الأزرق
(والدنيا تبقى قبور)
والحكمة تتفرتق
يجي يوم يسود الظلام
يوما لعين وكريه
يحرق ويسحل كرام
والعدل يتلفّق
يجي يوم نراك أسد
بالهيبة تتمنطق
وليل الظلام واجم
ونور العلم أشرق
ونلقاك ببسمة ضياك
بى فاطرك الأبرق
واقف تصد الريح
وتعلِي راية الحق


الخرطوم /1982



ااقتراح لاهل رفاعة تعالو رجال ونساء ان نضع تمثال الاستاذ محمود وان يعود تمثال الشيخ بابكر بدري لا يعرف الفضل الا اهل الفضل

صبري الشريف
02-01-2013, 04:49 AM
http://www.youtube.com/watch?v=r__puFM2tNo

روز
02-01-2013, 08:45 AM
http://www.youtube.com/watch?v=r__pufm2tno




روعة ... !
جلسة جمهورية على النت .

صبري الشريف
02-09-2013, 03:38 PM
قريب من الأصفياء
وقريب من الأنبياء
وقريب من الأعداء
عاش الحياة غانم
وراح مّنها مكرم
ماعاشا يوم مفتون
بي عزها وجاها





شكرا روز علي المرور بارك الله فيك